فَإِنِ انْتَفَى الإِْصْرَارُ،وَكَانَ الاِسْتِغْفَارُ بِاللِّسَانِ مَعَ غَفْلَةِ الْقَلْبِ،فَفِيهِ رَأْيَانِ:
الأَْوَّل:وَصْفُهُ بِأَنَّهُ تَوْبَةُ الْكَذَّابِينَ،وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ،وَقَوْلٌ لِلْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ،إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ جَعَلُوهُ مَعْصِيَةً لاَحِقَةً بِالْكَبَائِرِ،وَقَال الآْخَرُونَ:بِأَنَّهُ لاَ جَدْوَى مِنْهُ فَقَطْ [1] .
الثَّانِي:اعْتِبَارُهُ حَسَنَةً وَهُوَ قَوْل الْحَنَابِلَةِ،وَقَوْلٌ لِلْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ،لأَِنَّ الاِسْتِغْفَارَ عَنْ غَفْلَةٍ خَيْرٌ مِنَ الصَّمْتِ وَإِنِ احْتَاجَ إِلَى اسْتِغْفَارٍ،لأَِنَّ اللِّسَانَ إِذَا أَلِفَ ذِكْرًا يُوشِكُ أَنْ يَأْلَفَهُ الْقَلْبُ فَيُوَافِقُهُ عَلَيْهِ،وَتَرْكُ الْعَمَل لِلْخَوْفِ مِنْهُ مِنْ مَكَايِدِ الشَّيْطَانِ [2] .
الاستغفار،ولو عظُمت الذُّنوب،وبلغت الكثرة عَنان السماء،وهو السَّحاب.وقيل:ما انتهى إليه البصر منها،فعن أَخْشَنَ السَّدُوسِىَّ،قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ،قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ أَوْ [قَالَ] : وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَخْطَأْتُمْ حَتَّى تَمْلأَ خَطَايَاكُمْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ،ثُمَّ اسْتَغْفَرْتُمُ اللَّهَ لَغَفَرَ لَكُمْ،وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ،أَوْ وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُخْطِئُوا لَجَاءَ اللَّهُ،عَزَّ وَجَلَّ،بِقَوْمٍ يُخْطِئُونَ،ثُمَّ يَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ،فَيَغْفِرُ لَهُمْ. [3]
والاستغفارُ:طلبُ المغفرة،والمغفرة:هي وقاية شرِّ الذنوب مع سترها .
وقد كثر في القرآن ذكرُ الاستغفار،فتارةً يؤمر به،كقوله تعالى: { وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } (البقرة:199 ) ،وقوله: { وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ } (هود:3 ) .
وتارةً يمدحُ أهلَه،كقوله: { وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ } (آل عمران:17) ،وقوله:
{ وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } (الذاريات:18 ) ،وقوله: { وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ } (آل عمران:135) .
(1) - إتحاف السادة المتقين شرح إحياء علوم الدين 8 / 604 ، 605 ، والفتوحات الربانية 7 / 268 ، والفواكه الدواني 2 / 396 ط الحلبي ، ومرقاة المفاتيح 3 / 460 .
(2) - شرح ثلاثيات مسند أحمد 2 / 903 ، وإتحاف السادة المتقين 8 / 607 ، ومرقاة المفاتيح 3 / 810 ط المكتبة الإسلامية ، والفتوحات الربانية 7 / 292 ، واليواقيت والجواهر شرح بيان عقائد الأكابر 2 / 104 ط دار المعرفة .
(3) - غاية المقصد في زوائد المسند (4798 ) صحيح