و ممَّا يحاكي هذه الباب و يدخل فيه ؛ أن يَقتَحِمَ هذا العلم مَن لم تتهيأ له أسبابه ، و نأت عنه دَوَاعيه ، و لهذا العلم قواعده و أصُوله ، و أبوابه و فصوله ، الَّتي يُعرف بها النَّاسخ من المنسوخ، و العامُّ من الخاصِّ ، و المُطلق من المُقيَّدُ ، و أسباب الوُرود ، و العلل الخفيَّة الدَّقيقة و الظَّاهرة الجليَّة ، إلى غير ذلك ممَّا لا بد منه لهذا العلم الشَّريف.
لذا ، فإني أجدُني أُعييدُ النَّظر بين الفَيْنة و الأخرى في نصوص كنتُ خرَّجتُها قبل وُقُوفي على طُرقها الجديدة من بعد ظُهور تلكم المخطُوطات لأَحكُم عليها بنَقيضها، ممَّا يحسبه بعضٌ ممن يجهل هذا الأمر تناقضًا وقعتُ فيه، أو وَهمًا دَهمني ، و مَا علمُوا أن السُّكوت عن الحكم الجديد و إخفاءه ضربٌ من الكذب على رسول الله صلى الله عليه و سلم القائل:"مَن، كذب علَيَّ متعمِّدًا فليَتَبَوَّأ مقعَدَهُ من النَّار"، و نمطٌ مفظعٌ مِن الخيانة لله و للرَّسُول ، و الله ينهى عن ذلك في مثل قوله {يا أيها الذينً آمنوا لا تخُونُوا اللهَ و الرَّسولَ و تخُونُوا أماناتكم و أنتُم تَعلمُون} [الأنفال:27] .
و استسهَالُ هذا العلم على نحو مَا نرى عليه بعضًا من طلاَّب العلم الحُدثَاء الأسنَان أمرٌ مُستهجنٌ ، بل مُستفظعٌ ؛ لأنه ينتهي بهم إلى الخروج عن السنن الأولى الَّتي اتَّفقت عليها الأمَّة، و استقرَّ عليها عملُ القُرون، و منذُ أن كَانَ لهذا العلم ذكرٌ في النَّاس، و أيما شيء يحدث في حياة الأمَّة يجري على سنن الهُدى، و تجمَع عليه الأمة، و يستقرُّ بين ظهرانَيْها، موافقًا للأدلَّة التي تتأسَّسُ بها القواعد العامَّة في شتى المَعارف و العلوم ، فلا ينبغي أن يخالفَ أو يخرج عنه أو يزهَدَ فيه .