فهل هذا الحرص الشديد من النبي صلى الله عليه وسلم على تبليغ أمره بالفسخ إلى كل مكلف لا يدل على الوجوب ؟ اللهم إن الوجوب ليثبت بأدنى من هذا .
ولوضوح هذه الأدلة الدالة على وجوب الفسخ بله التمتع لم يسع المخالفين لها إلا التسليم بدلالتها ثم اختلفوا في الإجابة عنها فبعضهم ادعى خصوصية ذلك بالصحابة وقد عرفت بطلان ذلك مما سبق .
وبعضهم ادعى نسخه ولكنهم لم يستطيعوا أن يذكروا ولو دليلا واحدا يحسن ذكره والرد عليه اللهم إلا نهي عمر رضي الله عنه وكذا عثمان وابن الزبير كما في ( الصحيحين ) وغيرهما .
والجواب من وجوه:
الأول: أن الذين يحتجون بهذا النهي عن المتعة لا يقولون به لأن من مذهبهم جوازها فما كان جوابهم عنه فهو جوابنا .
الثاني: أن هذا النهي قد أنكره جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم علي وعمران بن حصين وابن عباس وغيرهم .
الثالث: أنه رأي مخالف للكتاب فضلا عن السنة قال الله تعالى: ( فمن تمتع بالعمر إلى الحج فما استيسر من الهدي ) البقرة: 196 . وقد أشار إلى هذا المعنى عمران بن حصين رضي الله عنه بقوله:
( قال تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينزل فيه القرآن( وفي رواية: نزلت آية المتعة في كتاب الله - يعني متعة الحج - وأمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم .ثم لم تنزل آية تنسخ آية متعة الحج ,و لم ينه عنها رسول الله صلى الله عيه و سلم حتى مات ) قال رجل برأيه بعد ما شاء ) . رواه مسلم .
وقد صرح عمر رضي الله عنه بمشروعية التمتع وأن نهيه عنه أو كراهته له إنما هو رأي رآه لعلة بدت له فقال:
( قد علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد فعله وأصحابه ولكن كرهت أن يظلوا معرسين بهن [3] في الأراك [4] ثم يروحون في الحج تقطر رؤوسهم ) رواه مسلم وأحمد .