ومن الأمور التي تستلفت نظر الباحث أن هذه العلة التي اعتمدها عمر رضي الله عنه في كراهته التمتع هي عينها التي تذرع بها الصحابة الذين لم يبادروا إلى تنفيذ أمره صلى الله عليه وسلم بالفسخ في ترك المبادرة فقالوا:
( خرجنا حجاجا لا نريد إلا الحج حتى إذا لم يكن بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال أمرنا أن نفضي إلى نسائنا فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المني من النساء . . . ) انظر الفقرة ( 40 ) وقد رد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: ( أبالله تعلموني أيها الناس ؟ قد علمتم أني أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم افعلوا ما آمركم به فإني لو لا هديي لحللت كما تحلون ) ( فقرة 42 ) .
فهذا يبين لنا أن عمر رضي الله عنه لو استحضر حين كره للناس التمتع قول الصحابة هذا الذي هو مثل قوله وتذكر معه رد النبي صلى الله عليه وسلم عليهم لما كره ذلك ونهى الناس عنه .
وفي هذا دليل على أن الصحابي الجليل قد تخفى عليه سنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قول من أقواله فيجتهد برأيه فيخطئ وهو مع ذلك مأجور غير مأزور والعصمة لله وحده ثم لرسوله .
وقد يقول قائل: إن ما ذكرته من الأدلة على وجوب التمتع وعلى رد ما يخالفه واضح مقبول ولكن يشكل عليه ما يذكره البعض أن الخلفاء الراشدين جميعا كانوا يفردون الحج , فكيف التوفيق بين هذا و بين ما ذكرت ؟
والجواب: أنه سبق أن بينا أن التمتع إنما يجب على من لم يسق الهدي وأما من ساق الهدي فلا يجب عليه ذلك بل لا يجوز له وإنما عليه أن يقرن وهو الأفضل وأو يفرد فيحتمل أن ما ذكر عن الخلفاء من الإفراد إنما هو لأنهم كانوا ساقوا الهدي . وحينئذ فلا منافاة والحمد لله .