لَقَدْ بَاتَ مِنَ الضَّرُوْراتِ العَقْلِيَّةِ، والمُسَلَّمَاتِ الدِّيْنِيَّةِ، والأعْرَافِ الوَضْعِيَّةِ: أنَّ العُلَمَاءَ أيًّا كَانُوا (مُسْلِمِيْنَ أو كَافِرِيْنَ) هُمْ للإجْتِمَاعِ والائْتِلافِ أقْرَبُ مِنْهُم مِنَ العَامَّةِ الجُهَلاءِ فِي الجُمْلَةِ، وهَذا أمْرٌ لا يَحْتَاجُ إلى تَدْلِيْلٍ أو تَوْضِيْحٍ.
فإذَا عُلِمَ هَذَا؛ فَلَنا أنْ نُفْصِحَ عَنْ نَكْسَةٍ تَارِيْخِيَّةٍ مَا لَهَا سَابِقَةٌ، قَدْ مَرَّتْ بِها الأمَّةُ الإسْلامِيَّةُ مَرَّ السَّحَابِ، حَامِلَةً فِي جَنَباتِهِا فَوْضَى فِكْرِيَّةً، وفَتَاوَى ارْتِجَالِيَّةً، وأقْوَالًا عَصِيَّةً، وهُوَ مَا حَدَثَ فِي هَذِه الأيَّامِ مِنْ مَوَاقِفَ مُتَبايِنَةٍ مُتَنَاقِضَةٍ، لا صِلَةَ بَيْنَها إلاَّ الاسْتِنْكَارُ والإنْكَارُ، وهُوَ مَا كَانَ بَيْنَ بَعْضِ عُلَمَاءِ المُسْلِمِيْنَ وبَيْنَ عَامَّتِهِم، وذَلِكَ فِي تَصَوُّرِ الوَاقِعِ، وبَيَانِ الحَقِّ، فإنْ كَانَ مِثْلَ هَذَا قَدْ يَقَعُ شَرْعًا وطَبْعًا؛ إلاَّ أنَّ المُصِيْبَةَ كُلَّ المُصِيْبَةِ إذَا عَلِمْنَا أمْرَيْنِ مُنْكَرَيْنِ:
الأوَّلُ مِنْهُما: أنَّ الحَقَّ المُتَنَازَعُ عِنْدَه فِي هَذِه القَضَايا المَصِيْرِيَّةِ الَّتِي تَمُرُّ بالأمُّةِ هَذِه الأيَّامُ كَانَ حَلِيْفَ العَامَّةِ مِنَ المُسْلِمِيْنَ، ولا يَهُوْلنَّكَ هَذَا؛ فإنَّه لَمْ يَكُنْ مِنْ بَسْطَةِ عِلْمٍ عِنْدِ العَامَّةِ؛ بَلْ كَانَ هَذَا مِنْهُم بدَافِعِ: أنَّ الخِلافَ هُنا كَانَ وَاقِعًا فِي أمُوْرٍ مَعْلُوْمَةٍ مِنَ الدِّيْنِ بالضَّرُوْرَةِ، مِمَّا لا تَحْتَاجُ إلى كَبِيْرِ عِلْمٍ، وهَذا ثَانِيْهِما، ومِثَالُ ذَلِكَ مَا يَلِي: