المبحث الأول
القضاء في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم
لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أول من قضى بين المسلمين فيما اختلفوا فيه، قال الله عز وجل: {فاحكم بينهم بما أنزل الله} [1] . وقال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليما} [2] .
وقد كان صلى الله عليه وسلم يحرص كل الحرص على تحقيق العدالة بين المختصمين، بحيث لا ينال أحد أكثر من حقه بسبب براعته في الدفاع عن نفسه وفصاحة لسانه، روت أم سلمة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم ألحن [3] بحجته من بعض، فمن قضيت له بحق أخيه شيئًا بقوله، فإنما أقطع له قطعة من النار، فلا يأخذها" [4] .
لقد اتصف النبي صلى الله عليه وسلم بصفات القاضي العادل عدلًا كاملًا، فهو أعلم الناس بالشرع الذي يبلغه، وأتاه الله بصيرة نيرة نافذة، والخصوم لا يستطيعون أن يموهوا عليه، ولكنه فرض الخطأ في نفسه ليحترس القضاة
(1) سورة المائدة: آية: 48.
(2) سورة النساء: آية: 65.
(3) اللحن: الميل عن جهة الاستقامة، والمراد: إن بعضكم يكون أعرف بالحجة وأفطن لها من غيره، ويقال: لحنت لفلان، إذا قلت له قولًا يفهمه ويخفى على غيره، لأنك تميله بالتورية عن الواضح المفهوم. النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير: 4/ 241.
(4) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات، باب من أقام البينة بعد اليمين: 2/ 952 حديث رقم 2534.