من بعده، وليعلم الناس أنهم إن نجوا من حكم القضاء في الدنيا بقوة الاستدلال الباطل، فلن ينجوا من عقوبة الله في الآخرة، وليتقوا الله في الخصومة، ولا يعلموا أنها مغالبة بالبيان ومسابقة في الاستدلال، ولكنها طلب الحق، فمن ابتغى غير حقه فقد أكل مال الناس بالباطل، ولو زين بحكم القضاء [1] .
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يرجع في قضائه إلى الكتاب الكريم، وما يوحيه إليه ربه، أو ما يراه بفطنته، وكثيرًا ما كان يستشير أصحابه في بعض الأمور، وكان يجتهد في بعض الأحكام مما ليس فيه وحي.
والحكمة من اجتهاده عليه الصلاة والسلام هي تعويد وتعليم صحابته وعلماء الأمة من بعدهم طريقة الاستنباط، وكيفية استخراج الأحكام.
كما بين الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم أن القرآن الكريم هو المصدر الأساسي في الحكم بين الناس، على أن يكون قضاؤه صلى الله عليه وسلم بالعدل المطلق، والحيدة التامة، قال عز وجل: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيمًا} [2] .
ومما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر لأصحابه الاجتهاد حديث معاذ بن جبل حينما بعثه صلى الله عليه وسلم لتولي قضاء اليمن حيث قال له صلى الله عليه وسلم:"كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟". قال: أقضي بكتاب الله، قال:"فإن لم تجد في كتاب"
(1) تاريخ المذاهب الفقهية للشيخ أبو زهرة: 12.
(2) سورة النساء: آية: 105.