اعلم أن نعم للحمد والثناء. وهي كلمة موضوعة لاستيعاب الحمد في الجنس المذكور للممدوح بها كقولك: «نعم الرجل زيد» ، إنما ذكرت أنه مستحق للثناء في جنس الرجال، وبئس للذم، وأصلهما من قولك: «نعم الرجل» إذا أصاب نعمة وبئس إذا أصاب بؤسًا، فنقلا من ذلك إلى الحمد والثناء، فنعم للمحمدة والثناء وبئس للذم.
وهما عند الكسائي وجميع البصريين فعلان غير متصرفين، وهما عند الفراء اسمان. فتقدير هذا الكلام على مذهب الكسائي وسيبويه وجميع البصريين: أن النداء واقع على غير نعم لأن الأفعال لا تنادى لأنه مما تختص به الأسماء لا خلاف في ذلك، فتقدير هذا على وجهين:
أحدهما أن يكون المعنى «يا ألله نعم المولى أنت» و «يا الله نعم النصير أنت» لأنه قد علم أن الداعي لله في حال دعائه وندائه مخاطب له مناد فجاز الإضمار لذلك.
والآخر أن يكون التقدير: «يا هؤلاء نعم المولى الله» و «يا هؤلاء نعم النصير هو» كما ذكرنا ذلك فيما مضى في شرحنا قولهم: «يا لا إله إلا هو» .
فأما على مذهب الفراء فإن النداء واقع بنعم لأنه يزعم أنه اسم واستدل على ذلك بقول العرب: «نعم السير على بئس العير» فأدخلوا على بئس الجر، ولا يدخل إلا على اسم.
ويقول حسان:
ألست بنعم الجار يؤلف بيته ... كذي العرف ذا مال كثير ومصرما
وبإدخال حرف النداء عليها كقولهم: «يا نعم المولى ونعم النصير» وكل هذا من دلائل الأسماء.
واستدل على ذلك أيضًا بامتناعهما من التصرف من ردها إلى المستقبل وبناء اسم الفاعل والمفعول منهما، وبأنهما ليس على شيء من أوزان الأفعال لأنه ليس فعل على وزن «نعم» و «بئس» على «فعل» بإسكان الثاني وكسر الأول.
فمن حجة من خالفه أنهم يقولون: إن «نعم» و «بئس» لما خالفا بابهما ونقلا عنه فخرجا من باب النعمة والبؤس إلى باب الحمد والثناء وتضمنا معنى - وليس من حكم الأفعال أن تدل على المعاني، إنما تدخل عليها الحروف الدالة على المعاني - ضارعًا الحروف وجمدا فصارا كالأسماء فلم يبن منهما مستقبل ولا اسم الفاعل والمفعول لذلك.
وأما دخول حروف الخفض عليهما فلذلك على الحكاية. وأما دخول حرف النداء فقد مضى القول فيه أن النداء واقع بغيرهما من المضمر المنوي به في النية. وأما بناؤهما فأصلهما «نعم» و «بئس» ثم قيل «نعم» و «بئس» ثم أسكنا من ذلك