فإن الله يرفع بالعلم العبدَ المملوك حتى يجلسه مجالس الملوك وقد جاء في الصحيح أن نافع بن الحارث أتى عمر بن الخطاب بعسفان وكان قد استعمله على أهل مكة فقال له عمر: (( من استخلفت على أهل الوادى؟ قال: استخلفت عليهم ابن أبزى فقال: ومن ابن أبزى؟ فقال: رجل من موالينا، فقال عمر: استخلفت عليهم مولى؟ فقال: إنه قارئ لكتاب الله عالم بالفرائض. فقال عمر: أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قال: (( إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين ) ) [1] .
قال إبراهيم الحربى: كان عطاء بن رباح عبدًا أسودًا لامرأة من مكة وكان أنفه باقلاه، قال: وجاء سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين إلى عطاء هو وابناه فجلسوا إليه وهو يصلى فلما صلى انفتل إليهم فمازالوا يسألونه عن مناسك الحج وقد حول قفاه إليهم، فقال سليمان لابنيه قوما فقاما، فقال: يا بنيا لا تُقصرا في طلب العلم فإنى لا أنسى ذُلَّنا بين يدى هذا العبد الأسود.
وقال الحربى: وكان محمد ابن عبد الرحمن الأوقص عنقه داخلة في بدنه وكان منكباه خارجين كأنهما زجان فقالت أمه: يا بنى لا تكون في مجلس قومٍ إلا كنت المضحوك منه المسخور به فعليك بطلب العلم فإنه يرفعك، فوَلِىَ قضاء مكة عشرين سنة، قال وكان الخصم إذا جلس إليه بين يديه يرتعد حتى يقوم.
وقال عبد الله بن داود: سمعت سفيان الثورى يقول: (( إن هذا الحديث عز فمن أراد به الدنيا وجدها ومن أراد به الآخرة وجدها.
قال سفيان بن عيينة: أرفع الناس منزلة عند الله من كان بين الله وبين عباده وهم الأنبياء والعلماء.
وصدق القائل:
ما الفَضْلُ إلاَّ لأَهْلِ العِلْم إنَّهُمُ عَلَى الهُدَى لِمَن اسْتَهْدى أَدلاَء
وقَدْرَ كُلِّ امْرئٍ ما كَانَ يُحْسَنُه والجَاهِلُونَ لأهْلَ العلِم أَعَدَاءُ
فَفُزْ بِعلم تَعش حيا به أَبدًا الناسُ مَوْتَى وأَهْلُ العِلْم أَحْيَاءُ
(1) رواه مسلم (6/ 98) صلاة المسافرين.