فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 225

فكل من يهب شيئًا لغيره من الخلق فإنما يهبه لغرض في نفسه، ومقابل يرجوه، ولو لم يوجد هذا الغرض وذلك المقابل للهبات لم يُتصور حدوث الهبة. فالرجل يعطي الهبة لولدٍ أنجبه أو امرأة يتزوجها أو صديق يحبه، ولو تصورنا أن هذه الروابط قد انفصلت أو انعدمت لم يُتصور معها الهبات، فلو أن الولد عقَّ والده وهجره، أو أن المرأة طُلِّقت من زوجها وتزوجت بآخر، أو أن الصديق نقض عهده وخان ودَّه، لم يُتصور وجود الهبات، حتى العطاء للفقراء والمساكين الذين لا يُرجى منهم عطاءٌ ولا يتوقع منهم جزاءٌ فإنما يعطيهم من أجل غرضٍ آخر؛ وهو النجاة يوم القيامة، كما قال تعالى: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورًا} [الإنسان: 9] .

أما اللَّه عزَّ وجلَّ فيهب بغير غرض ولا عوض، يهب تفضلًا منه وإحسانًا ولطفًا منه وبرًا، فكل المصلحة عائدة على العبد من هبات اللَّه في الدنيا والآخرة، فمن ذلك أن اللَّه عز وجل أنزل المال لخلقه ليعينهم به على عبادته ثم يجزيهم على تلك العبادة الجنة في الآخرة. فعن أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إن اللَّه عز وجل قال: إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ) ) [1] .

ثالثًا: كثرة هباته وعظمتها:

فإن الناس وإن وهبوا فتكون هباتهم قاصرة ضعيفة، فقد يهب الرجل مالًا أو نوالًا، ولكن هل يستطيع أن يهب شفاءً لسقيم، أو ولدًا لعقيم؟ لا يقدر على ذلك وغيره إلا اللَّه وحده. قال تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ} .

رابعًا: اللَّه عز وجلَّ هو الوهاب على الحقيقة:

(1) صحيح. أخرجه أحمد (ج 5 ص 218) ، وصححه العراقي في تخريج الإحياء والألباني في صحيحه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت