فهرس الكتاب

الصفحة 189 من 225

الأول: فقرٌ اضطراري، وهو فقرٌ عام لا خروج لبرٍ ولا فاجرٍ عنه، وهذا الفقر لا يقتضي مدحًا ولا ذمًّا، ولا ثوابًا ولا عقابًا، بل هو بمنزلة كون المخلوق مخلوقًا، ومصنوعًا.

الفقر الثاني: فقر اختياري، وهو فقر الخشية والطاعة وذلة العبودية. وهو نتيجة علمين شريفين؛ أحدهما: معرفة العبد لربه، والثاني: معرفته بنفسه، فمتى حصلت له هاتان المعرفتان أنتجتا فقرًا هو عين غناه وعنوان فلاحه وسعادته، وتفاوت الناس في هذا الفقر بحسب تفاوتهم في هاتين المعرفتين، فمن عرف ربه بالغنى المطلق، عرف نفسه بالفقر المطلق، ومن عرف ربه بالقدرة التامة، عرف نفسه بالعجز التام، ومن عرف ربه بالعِزِّ التام، عرف نفسه بالمسكنة التامة، ومن عرف ربه بالعلم التام والحكمة التامة، عرف نفسه بالجهل.

فإن اللَّه تعالى قد أخرج العبد من بطن أمه ضعيفًا مسكينًا، جاهلاً، كما قال تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا} . وسخر اللَّه له ما في البر والبحر مما يصلحه ويعينه على أمر دينه ودنياه، فلما شعر بأن له قدرة على السعي، واستطاعة على التدبير ظن المسكين أن له نصيبًا من الملك، وادَّعى لنفسه مُلكًا مع الله سبحانه، ورأى نفسه بغير هذا الضعف الأول الذي كان عليه، ونسي ما كان فيه من حالة الإعدام والفقر والحاجة؛ حتى كأنه لم يكن هو ذلك الفقير المحتاج، بل كأن ذلك شخصًا غيره.

كما روى الإمام أحمد في مسنده من حديث بسر بن جحاش القرشي أن النبي صلى الله عليه وسلم بزق يومًا في كفه، فوضع عليها إصبعه، ثم قال: (( قال اللَّه: ابن آدمَ، أنَّى تُعجزني وقد خلقتك من مثل هذه حتى إذا سَوَّيْتُك وعدَلْتُك مشيْتَ بين بردين وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت التراقي قُلت: أتصدَّق، وأنى أوان التصدق ) ) [1] .

(1) أخرجه أحمد 4/ 210، والحاكم 2/ 502)، وصححه الحاكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت