ومن هنا خَذَل من خذل، ووفَّق من وفق، فحجب المخذولَ عن حقيقته ونسي نفسه، فنسي فقره وحاجته وضرورته إلى ربه، فطغى وعتا فحقَّتْ عليه الشِقْوَةُ، قال تعالى: {كَلاَّ إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6، 7] ، وقال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل 5 - 10] .
فأكمل الخلق أكملهم عبودية، وأعظمهم شهودًا لفقره وضرورته وحاجته إلى ربه وعدم استغنائه عنه طرفة عين.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أعظم الناس افتقارًا إلى ربه، وكان من دعائه: (( اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت ) ) [1] .
وقد كان يعلم أن قلبه الذي بين جنبيه بيد الرحمن عز وجل لا يملك منه شيئًا، وأن اللَّه سبحانه يصرفه كما يشاء، وكان يدعو: (( يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ) ) [2] . ولما عُرض عليه المُلْكُ والعبودية اختار أن يكون فقيرًا لربه، وعبدًا لمولاه.
(1) أخرجه أحمد 5/ 42، والبخاري في الأدب المفرد (701) ، وأبو داود (5090) ، وابن حبان (970) ، من حديث أبي بكرة، رضي الله عنه.
(2) أخرجه الطيالسي (1713) ، وأحمد 3/ 112، 6/ 315، والترمذي (2140، 3522) ، من حديث أنس وأم سلمة، رضي الله عنهما.