فمن عرف اللَّه عزَّ وجلَّ بأسمائه الحسنى وصفاته العُلى، علم أنه بالكمال موصوف، وبالإحسان والجمال والجلال معروف، وعرف أيضًا نفسه بكل نقص وعيب، إلا أن يرزقه الله عز وجل كمال الإيمان وصالح الأعمال فيورث له ذلك عبودية صادقة بالانكسار بين يدي الجبار تبارك وتعالى، فيذل لعزته ويخضع لقوته.
وهذا هو دأب الأنبياء والمرسلين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، فها هو رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يتعبد لربه بذلك فيقول: (( اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك ... ) ) [1] .
فلما عرف أن اللَّه هو ربه وإلهه وخالقه، عرف نفسه بعبوديته له، فقال: (( وأنا عبدك ... ) ). وقال أيضًا في دعاء الاستخارة: (( فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب ... ) ).
عاشرًا: حسن الظن [2] باللَّه عز وجل:
ويُعد حسن الظن باللَّه تعالى ثمرة للفضيلة السابقة. فمن عرف غِنى الله وفقر خلقه، وقدرة اللَّه وعجز خلقه، وقوة اللَّه وضعف خلقه، عرف مقدار افتقار الخلق لغنى الله، وضعفهم لقوته، وتواضعهم لعظمته، وذلتهم لعزته، تبارك وتعالى.
(1) أخرجه البخاري (6323) من حديث شداد بن أوس، رضي الله عنه.
(2) حسن الظن بالله عز وجل ثمرة لمعرفته؛ إذ كيف يحسن الظن بربه من لم يعرف أنه الكريم وأنه هو البر الرحيم، وكيف يحسن الظن بوعده إن لم يعرف أنه صادق الوعد ونجز العهد.