فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 269

وإن مما يعين على ترك الترف والرضى من الدنيا باليسير والتضحية بها حين يتطلب الأمر ذلك: النظر في سيرة المربي العظيم سيد الزاهدين وإمام المرسلين محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم -، وكيف كانت حياته، وكيف كان يعد أصحابه رضي الله عنهم ويربيهم بقوله وعمله وحاله، ثم النظر في حياة الصحابة رضي الله عنهم والتابعين لهم بإحسان من سادات المجاهدين والزاهدين·إن الإطلاع على حياة السلف رحمهم الله لمما يعين على الاقتداء بهم وبذل الجهد في اللحوق بهم؛ وإذا كان النعيم أثَّرَ في بعض أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حياته فكاد يحول بين بعضهم وبين النفير مع الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وحال فعلًا بين بعضهم وبين ذلك، ولم ينفعه من عقاب الله وسخطه وسخط رسوله - صلى الله عليه وسلم - إلا التوبة، فكيف بمن بعدهم؟ ·

فهذا كعب بن مالك رضي الله عنه يتخلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك ويعرض في سياق حديثه بعض الأسباب التي أغرته بذلك التخلف، منها المشقات التي استقبلت المجاهدين كما قال:"فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ، فَغَزَاهَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي حَرٍّ شَدِيدٍ وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا وَمَفَازًا، وَاسْتَقْبَلَ عَدُوًّا كَثِيرًا، فَجَلَا لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ" [1] .

ومنها النعيم ووسائل الراحة المتاحة في المدينة التي كان يميل إليها كما قال:"وَغَزَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - تِلْكَ الغَزْوَةَ حِينَ طَابَتِ الثِّمَارُ وَالظِّلاَلُ، فَأَنَا إِلَيْهَا أَصْعَرُ،" [2] أي أميل.

وأختم هذا الحديث عن الزهد وما يضاده من الترف بكلام نفيس للإمام ابن القيم رحمه الله تعالى يوجه فيها الأنظار إلى كيفية الاستقامة بالزهد في الدنيا فيقول:"لا تتم الرغبة في الآخرة إلا بالزهد في الدنيا، ولا يستقيم الزهد في الدنيا إلا بعد نظرين صحيحين:"

نظر في الدنيا وسرعة زوالها وفنائها وخستها، وألم المزاحمة عليها والحرص عليها؛ فطالبها لا ينفك من هم قبل حصولها، وهم في حال الظفر بها، وغم وحزن بعد فواتها· فهذا أحد النظرين·

(1) - صحيح مسلم (4/ 2121) 53 - (2769)

(2) - صحيح البخاري (6/ 3) (4418) وصحيح مسلم (4/ 2120) 53 - (2769)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت