فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 269

خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ [التوبة:36] [التَّوْبَةِ:36] فَإِنَّ تِلْكَ وَاحِدٌ فَرْدٌ، وَثَلَاثَةٌ سَرْدٌ: رَجَبٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ. وَلَمْ يُسَيِّرِ الْمُشْرِكِينَ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ، فَإِنَّ هَذَا لَا يُمْكِنُ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُتَوَالِيَةٍ، وَهُوَ إِنَّمَا أَجَّلَهُمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ أَمَرَهُ بَعْدَ انْسِلَاخِهَا أَنْ يُقَاتِلَهُمْ فَقَتَلَ النَّاقِضَ لِعَهْدِهِ، وَأَجَّلَ مَنْ لَا عَهْدَ لَهُ، أَوْ لَهُ عَهْدٌ مُطْلَقٌ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُتِمَّ لِلْمُوفِي بِعَهْدِهِ عَهْدَهُ إِلَى مُدَّتِهِ، فَأَسْلَمَ هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ، وَلَمْ يُقِيمُوا عَلَى كُفْرِهِمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ، وَضَرَبَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ الْجِزْيَةَ.

فَاسْتَقَرَّ أَمْرُ الْكُفَّارِ مَعَهُ بَعْدَ نُزُولِ (بَرَاءَةٌ) عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: مُحَارِبِينَ لَهُ، وَأَهْلِ عَهْدٍ، وَأَهْلِ ذِمَّةٍ، ثُمَّ آلَتْ حَالُ أَهْلِ الْعَهْدِ وَالصُّلْحِ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَصَارُوا مَعَهُ قِسْمَيْنِ: مُحَارِبِينَ، وَأَهْلَ ذِمَّةٍ، وَالْمُحَارِبُونَ لَهُ خَائِفُونَ مِنْهُ، فَصَارَ أَهْلُ الْأَرْضِ مَعَهُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: مُسْلِمٌ مُؤْمِنٌ بِهِ، وَمُسَالِمٌ لَهُ آمِنٌ، وَخَائِفٌ مُحَارِبٌ.

وَأَمَّا سِيرَتُهُ فِي الْمُنَافِقِينَ، فَإِنَّهُ أُمِرَ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُمْ عَلَانِيَتَهُمْ وَيَكِلَ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَأَنْ يُجَاهِدَهُمْ بِالْعِلْمِ وَالْحُجَّةِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُعْرِضَ عَنْهُمْ، وَيُغْلِظَ عَلَيْهِمْ، وَأَنْ يَبْلُغَ بِالْقَوْلِ الْبَلِيغِ إِلَى نُفُوسِهِمْ، وَنَهَاهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِمْ، وَأَنْ يَقُومَ عَلَى قُبُورِهِمْ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ إِنِ اسْتَغْفَرَ لَهُمْ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ، فَهَذِهِ سِيرَتُهُ فِي أَعْدَائِهِ مِنَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ." [1] ."

ونخلص بعد هذا الكلام النفيس في بيان المراحل التي تنقل فيها الرسول - صلى الله عليه وسلم - في دعوته وجهاده إلى النتائج التالية:

1 -أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - في المرحلة المكية قد أُمِرَ بكف اليد وترك الجهاد المسلح مع كفار قريش، وأُمِرَ فيها بجهاد البلاغ والبيان، وتحمل في سبيل ذلك هو وأصحابه رضي الله عنهم من الأذى أصنافًا كثيرة. ولا شك أن في الأمر بكف اليد في المرحلة المكية حكمًا وغايات عظيمة لعل من أبرزها:

-ضعف المسلمين وقلة عددهم بحيث لو تمت المواجهة مع المشركين فإن ذلك من شأنه أن يئد الدعوة في مهدها.

(1) - زاد المعاد في هدي خير العباد (3/ 143)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت