المقدمة الخامسة
مخاطر ترك الجهاد في سبيل الله
بعد أن تبين لنا في المقدمة السابقة فضل الجهاد وثمرته في الدنيا والآخرة فإنه يسهل علينا في هذه المقدمة الحديث عن مخاطر ترك الجهاد والاستعداد له، وما يترتب على ذلك من المفاسد والشرور والعواقب السيئة في الدنيا والآخرة·
ويكفي أن نعكس الفضائل والثمار السابقة لتظهر لنا تلك العواقب السيئة المضادة لتلك العواقب والثمار الحميدة، وقد عد أهل العلم ترك الجهاد العيني من كبائر الذنوب·
قال الإمام ابن حجر: تَرْكُ الْجِهَادِ عِنْدَ تَعَيُّنِهِ بِأَنْ دَخَلَ الْحَرْبِيُّونَ دَارَ الْإِسْلَامِ أَوْ أَخَذُوا مُسْلِمًا وَأَمْكَنَ تَخْلِيصُهُ مِنْهُمْ، وَتَرْكُ النَّاسِ الْجِهَادَ مِنْ أَصْلِهِ، وَتَرْكُ أَهْلِ الْإِقْلِيمِ تَحْصِينَ ثُغُورِهِمْ بِحَيْثُ يُخَافُ عَلَيْهَا مِنْ اسْتِيلَاءِ الْكُفَّارِ بِسَبَبِ تَرْكِ ذَلِكَ التَّحْصِينِ. [1] .
ولذلك كان ترك الجهاد وعدم الاستعداد له علامة على، فعنْ أبِي هُريْرة، عنِ النّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «منْ مات ولمْ يغْزُ ولمْ يُحدِّثْ نفْسهُ بِغزْوٍ مات على شُعْبةِ نِفاقٍ» [2] .
(1) - الزواجر عن اقتراف الكبائر (2/ 269) وذم المتخلفين عن الجهاد في سبيل الله (ص:23) والمفصل في فقه الجهاد وسط (ص:2467)
(2) - صحيح مسلم (3/ 1517) 158 - (1910)
(ولمْ يُحدِّثْ) :بِالتّشْدِيدِ ; أيْ: لمْ يُكلِّمْ (بِهِ) :أيْ: بِالْغزْوِ (نفْسهُ) :بِالنّصْبِ على أنّهُ مفْعُولٌ بِهِ، أوْ بِنزْعِ الْخافِضِ ; أيْ: فِي نفْسِهِ، وفِي نُسْخةٍ بِالرّفْعِ على أنّهُ فاعِلٌ، والْمعْنى لمْ يعْزِمْ على الْجِهادِ ولمْ يقُلْ: يا ليْتنِي كُنْتُ مُجاهِدًا، وقِيل ولمْ يُرِدِ الْخُرُوج، وعلامتُهُ فِي الظّاهِرِ إِعْدادُ آلتِهِ. قال تعالى: {ولوْ أرادُوا الْخُرُوج لأعدُّوا لهُ عُدّةً} [التوبة:46] ويُؤيِّدُهُ قوْلُهُ: (مات على شُعْبةٍ مِنْ نِفاقٍ) :أيْ: نوْعٍ مِنْ أنْواعِ النِّفاقِ ; أيْ: منْ مات على هذا فقد أشْبه الْمُنافِقِين والْمُتخلِّفِين عنِ الْجِهادِ، ومنْ تشبّه بِقوْمٍ فهُو مِنْهُمْ، وقِيل: هذا كان مخْصُوصًا بِزمانِهِ - صلى الله عليه وسلم - والْأظْهرُ أنّهُ عامٌّ ويجِبُ على كُلِّ مُؤْمِنٍ أنْ ينْوِي الْجِهاد إِمّا بِطْرِيقِ فرْضِ الْكِفايةِ، أوْ على سبِيلِ فرْضِ الْعيْنِ، إِذا كان النّفِيرُ عامًّا، ويُسْتدلُّ بِظاهِرِهِ لِمنْ قال: الْجِهادُ فرْضُ عيْنٍ مُطْلقًا. وفِي شرْحِ مُسْلِمٍ لِلنّووِيِّ، قال عبْدُ اللّهِ بْنُ الْمُباركِ: نرى أنّ ذلِك على عهْدِ رسُولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: وهذا الّذِي قالهُ ابْنُ الْمُباركِ مُحْتملٌ، وقدْ قال غيْرُهُ إِنّهُ عامٌّ. والْمُرادُ أنّ منْ فعل فقدْ أشْبه الْمُنافِقِين الْمُتخلِّفِين عنِ الْجِهادِ فِي هذا الْوصْفِ، فإِنّ ترْك الْجِهادِ أحدُ شُعبِ النِّفاقِ، وفِيهِ أنّ منْ نوى فِعْل عِبادةٍ فمات قبْل فِعْلِها لا يُتوجّهُ عليْهِ مِن الذّمِّ ما يُتوجّهُ على منْ مات ولمْ يُنْوِها، وقدِ اخْتلفتْ أصْحابُنا فِيمنْ تمكّن مِن الصّلاةِ فِي أوّلِ وقْتِها فأخّرها بِنِيّةِ أنْ يفْعلها ومات، أوْ أخّر الْحجّ كذلِك، قِيل: يأْثمُ فِيهِما، وقِيل لا يأْثمُ فِيهِما، وقِيل: يأْثمُ فِي الْحجِّ دُون الصّلاةِ اه. والْأخِيرُ مُوافِقٌ لِمذْهبِنا. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/ 2470)