فهرس الكتاب

الصفحة 227 من 269

أن أمن هذا الفريق في المدينة ولم يعد هناك أذى ولا إذلال، وبعد لسع الحوادث عن الذوات والأشخاص لم يعد يرى للقتال مبررا أو على الأقل لم يعد يرى للمسارعة به ضرورة! «فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً، وَقالُوا: رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ؟ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ!» .وقد يكون هذا الفريق مؤمنا فعلا. بدليل اتجاههم إلى الله في ضراعة وأسى! وهذه الصورة ينبغي أن تكون في حسابنا. فالإيمان الذي لم ينضج بعد والتصور الذي لم تتضح معالمه ولم يتبين صاحبه وظيفة هذا الدين في الأرض - وأنها أكبر من حماية الأشخاص، وحماية الأقوام، وحماية الأوطان، إذ أنها في صميمها إقرار منهج الله في الأرض، وإقامة نظامه العادل في ربوع العالم وإنشاء قوة عليا في هذه الأرض ذات سلطان، يمنع أن تغلق الحدود دون دعوة الله ويمنع أن يحال بين الأفراد والاستماع للدعوة في أي مكان على سطح الأرض ويمنع أن يفتن أحد من الأفراد عن دينه إذا هو اختاره بكامل حريته - بأي لون من ألوان الفتنة - ومنها أن يطارد في رزقه أو في نشاطه حيث هو - وهذه كلها مهام خارجة عن وقوع أذى على أشخاص بعينهم أو عدم وقوعه .. وإذن فلم يكن الأمن في المدينة - حتى على فرض وجوده كاملا غير مهدد - لينهي مهمة المسلمين هناك وينهى عن الجهاد! الإيمان الذي لم ينضج بعد ليبلغ بالنفس إلى إخراج ذاتها من الأمر والاستماع فقط إلى أمر الله واعتبار هـ هو العلة والمعلول، والسبب والمسبب، والكلمة الأخيرة - سواء عرف المكلف حكمتها أم لم تتضح له - والتصور الذي لم تتضح معالمه بعد ليعرف المؤمن مهمة هذا الدين في الأرض ومهمته هو - المؤمن - بوصفه قدرا من قدر الله، ينفذ به الله ما يشاؤه في هذه الحياة .. لا جرم ينشأ عنه مثل هذا الموقف، الذي يصوره السياق القرآني هذا التصوير ويعجب منه هذا التعجيب! وينفر منه هذا التنفير. فأما لماذا لم يأذن الله للمسلمين - في مكة - بالانتصار من الظلم والرد على العدوان ودفع الأذى بالقوة .. وكثيرون منهم كان يملك هذا فلم يكن ضعيفا ولا مستضعفا ولم يكن عاجزا عن رد الصاع صاعين .. مهما يكن المسلمون في ذلك الوقت قلة ..

الحكمة من عدم القتال في العهد المكي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت