جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ [العنكبوت:4 - 10] [الْعَنْكَبُوتِ:1 - 11] .
فَلْيَتَأَمَّلِ الْعَبْدُ سِيَاقَ هَذِهِ الْآيَاتِ، وَمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الْعِبَرِ وَكُنُوزِ الْحِكَمِ، فَإِنَّ النَّاسَ إِذَا أُرْسِلَ إِلَيْهِمِ الرُّسُلُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ: آمَنَّا، وَإِمَّا أَلَّا يَقُولَ ذَلِكَ، بَلْ يَسْتَمِرُّ عَلَى السَّيِّئَاتِ وَالْكُفْرِ، فَمَنْ قَالَ: آمَنَّا امْتَحَنَهُ رَبُّهُ وَابْتَلَاهُ وَفَتَنَهُ، وَالْفِتْنَةُ الِابْتِلَاءُ وَالِاخْتِبَارُ لِيَتَبَيَّنَ الصَّادِقُ مِنَ الْكَاذِبِ، وَمَنْ لَمْ يَقُلْ آمَنَّا فَلَا يَحْسِبْ أَنَّهُ يُعْجِزُ اللَّهَ وَيَفُوتُهُ وَيَسْبِقُهُ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَطْوِي الْمَرَاحِلَ فِي يَدَيْهِ.
وَكَيْفَ يَفِرُّ الْمَرْءُ عَنْهُ بِذَنْبِهِ ... إِذَا كَانَ تُطْوَى فِي يَدَيْهِ الْمَرَاحِلُ
فَمَنْ آمَنَ بِالرُّسُلِ وَأَطَاعَهُمْ عَادَاهُ أَعْدَاؤُهُمْ وَآذَوْهُ فَابْتُلِيَ بِمَا يُؤْلِمُهُ، وَإِنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِمْ وَلَمْ يُطِعْهُمْ عُوقِبَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَحَصَلَ لَهُ مَا يُؤْلِمُهُ، وَكَانَ هَذَا الْمُؤْلِمُ لَهُ أَعْظَمَ أَلَمًا وَأَدْوَمَ مِنْ أَلَمِ اتِّبَاعِهِمْ، فَلَا بُدَّ مِنْ حُصُولِ الْأَلَمِ لِكُلِّ نَفْسٍ آمَنَتْ أَوْ رَغِبَتْ عَنِ الْإِيمَانِ، لَكِنَّ الْمُؤْمِنَ يَحْصُلُ لَهُ الْأَلَمُ فِي الدُّنْيَا ابْتِدَاءً، ثُمَّ تَكُونُ لَهُ الْعَاقِبَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْمُعْرِضُ عَنِ الْإِيمَانِ تَحْصُلُ لَهُ اللَّذَّةُ ابْتِدَاءً، ثُمَّ يَصِيرُ إِلَى الْأَلَمِ الدَّائِمِ. وَسُئِلَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَيُّمَا أَفْضَلُ لِلرَّجُلِ، أَنْ يُمَكَّنَ أَوْ يُبْتَلَى؟ فَقَالَ: لَا يُمَكَّنُ حَتَّى يُبْتَلَى، وَاللَّهُ تَعَالَى ابْتَلَى أُولِي الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، فَلَمَّا صَبَرُوا مَكَّنَهُمْ، فَلَا يَظُنُّ أَحَدٌ أَنَّهُ يَخْلُصُ مِنَ الْأَلَمِ الْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا يَتَفَاوَتُ أَهْلُ الْآلَامِ فِي الْعُقُولِ، فَأَعْقَلُهُمْ مَنْ بَاعَ أَلَمًا مُسْتَمِرًّا عَظِيمًا بِأَلَمٍ مُنْقَطِعٍ يَسِيرٍ، وَأَشْقَاهُمْ مَنْ بَاعَ الْأَلَمَ الْمُنْقَطِعَ الْيَسِيرَ بِالْأَلَمِ الْعَظِيمِ الْمُسْتَمِرِّ. [1]
وقال أيضًا:"وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْجِهَادِ الْمُطْلَقِ إِنَّمَا كَانَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، فَأَمَّا جِهَادُ الْحُجَّةِ فَأَمَرَ بِهِ فِي مَكَّةَ بِقَوْلِهِ: {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ} [الفرقان:52] أَيْ: بِالْقُرْآنِ {جِهَادًا كَبِيرًا} [الفرقان:52] [الْفُرْقَانِ:52] فَهَذِهِ سُورَةٌ مَكِّيَّةٌ، وَالْجِهَادُ فِيهَا هُوَ التَّبْلِيغُ، وَجِهَادُ الْحُجَّةِ، وَأَمَّا الْجِهَادُ الْمَأْمُورُ بِهِ فِي (سُورَةِ الْحَجِّ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْجِهَادُ بِالسَّيْفِ." [2]
(1) - زاد المعاد في هدي خير العباد (3/ 11)
(2) - زاد المعاد في هدي خير العباد (3/ 63)