فهرس الكتاب
وهو يعلم أنها الخطيئة! عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ، وَإِنْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةٍ» [1] .
والإسلام لا يدعو - بهذا - إلى الترخص، ولا يمجد العاثر الهابط، ولا يهتف له بجمال المستنقع! كما تهتف «الواقعية» ! إنما هو يقيل عثرة الضعف، ليستجيش في النفس الإنسانية الرجاء، كما يستجيش فيها الحياء! فالمغفرة من الله - ومن يغفر الذنوب إلا الله؟ - تخجل ولا تطمع، وتثير الاستغفار ولا تثير الاستهتار.
فأما الذين يستهترون ويصرون، فهم هنالك خارج الأسوار، موصدة في وجوههم الأسوار! وهكذا يجمع الإسلام بين الهتاف للبشرية إلى الآفاق العلى، والرحمة بهذه البشرية التي يعلم طاقتها. ويفتح أمامها باب الرجاء أبدا، ويأخذ بيدها إلى أقصى طاقتها» .... هؤلاء المتقون ما لهم؟
«أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها. وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ»
فهم ليسوا سلبيين بالاستغفار من المعصية. كما أنهم ليسوا سلبيين بالإنفاق في السراء والضراء، وكظم الغيظ والعفو عن الناس .. إنما هم عاملون. «وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ» .. المغفرة من ربهم، والجنة تجري من تحتها الأنهار بعد المغفرة وحب الله .. فهنالك عمل
(1) - سنن أبي داود (2/ 84) (1514) والدعاء للطبراني (ص: 507) (1797) عن ابن عباس والدعوات الكبير (1/ 238) (163) حسن لغيره
"مَا"نَافِيَةٌ أَيْ: مَا دَامَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ (مَنِ اسْتَغْفَرَ) أَيْ: مِنْ كُلِّ سَيِّئَةٍ (وَإِنْ عَادَ) : أَيْ: وَلَوْ رَجَعَ إِلَى ذَلِكَ الذَّنْبِ أَوْ غَيْرِهِ (فِي الْيَوْمِ) : أَوِ اللَّيْلَةِ (سَبْعِينَ مَرَّةً) : ظَاهِرُهُ التَّكْثِيرُ وَالتَّكْرِيرُ. قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: الْمُصِرُّ هُوَ الَّذِي لَمْ يَسْتَغْفِرْ وَلَمْ يَنْدَمْ عَلَى الذَّنْبِ، وَالْإِصْرَارُ عَلَى الذَّنْبِ إِكْثَارُهُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْإِصْرَارُ: الثَّبَاتُ وَالدَّوَامُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، يَعْنِي مَنْ عَمِلَ مَعْصِيَةً ثُمَّ اسْتَغْفَرَ فَنَدِمَ عَلَى ذَلِكَ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ مُصِرًّا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الِاسْتِغْفَارُ يَرْفَعُ الذُّنُوبَ، وَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّهُ لَا صَغِيرَةَ مَعَ الْإِصْرَارِ وَلَا كَبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفَارِ، فَقَدْ قِيلَ: حَدُّ الْإِصْرَارِ أَنْ يَتَكَرَّرَ مِنْهُ الصَّغِيرَةُ تَكْرَارًا. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالِاسْتِغْفَارِ التَّوْبَةُ، وَحِينَئِذٍ فَنَفْيُ الْإِصْرَارِ ظَاهِرٌ، وَأَنْ يُرَادَ بِهِ لَفْظُهُ مَعَ الذِّلَّةِ وَالِاسْتِصْغَارِ، لِأَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ قَدْ يَمْحُو الذَّنْبَ كَمَا عُلِمَ مِمَّا سَبَقَ وَيَشْعُرُ بِقِلَّةِ مُبَالَاتِهِ كَإِشْعَارِ الْكَبِيرَةِ، وَكَذَا إِذَا اجْتَمَعَتْ صَغَائِرُ مُخْتَلِفَةُ الْأَنْوَاعِ بِحَيْثُ يُشْعِرُ مَجْمُوعُهَا بِمَا يُشْعِرُ بِهِ أَصْغَرُ الْكَبَائِرِ. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (4/ 1622) وانظر: تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (6/ 68)