عجلته في تلك الظروف العصيبة أسوة حسنة، وبخاصة من يعيش اليوم في ظل الأنظمة التي تدعي انتسابها إلى الإسلام في الظاهر بينما حقيقتها أنها عدوة للإسلام وأهله؛ حيث يحكم فيها بحكم الطاغوت ويوالي أعداء الله ويؤذي فيها أولياء الله عز وجل ودعاته المصلحون· فما أشبه واقع المصلحين اليوم في ظل هذه الأنظمة بواقع الرسول - صلى الله عليه وسلم - في ظل سلطة قريش، مع وجود فارق مهم يؤكد على ضرورة الصبر على الدعوة والبيان في هذا الزمان أكثر من أي زمان مضى؛ ذلك أن الأنظمة المعاصرة لا تعلن عداءها للإسلام صراحة ولا كفرها برسالة محمد - صلى الله عليه وسلم -،بل تدَّعي الإسلام والإيمان زورًا وتلبيسًا· ولا يخفى ما في هذا من التلبيس والخداع الذي يحتاج فيه الدعاة والمجاهدون إلى وقت ليس بالقصير، وجهد ليس بالقليل ليصبروا ويكفوا أيديهم ويركزوا على إزالة هذا اللبس وبيان حقيقة الإيمان الحق، وحقيقة الكفر والنفاق، وحقيقة سبيل المجرمين مع الإعداد الشامل المذكور في المراتب السابقة·
ولو قفزت مرحلة البيان للناس والإعداد الإيماني للمجاهدين إلى مرحلة الصدام مع هؤلاء الزنادقة المعاصرين فلا يخفى على اللبيب المتتبع لسنن الله عز وجل، وسنن المرسلين، ورصيد التجارب في القديم والحديث ما نشأ وينشأ من جراء ذلك من المفاسد والفتن والشرور· وإنَّ السعيد لمن جنب الفتن واتعظ بغيره· ولعل من المفيد في هذا المقام أن نقف على بعض ما كتب حول آية (كف اليد) المذكورة آنفًا·
يقول الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى:"كَانَ الْمُؤْمِنُونَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ -وَهُمْ بِمَكَّةَ -مَأْمُورِينَ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ذَاتَ النُّصُب، لَكِنْ كَانُوا مَأْمُورِينَ بِمُوَاسَاةِ الْفُقَرَاءِ مِنْهُمْ، وَكَانُوا مَأْمُورِينَ بِالصَّفْحِ وَالْعَفْوِ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَالصَّبْرِ إِلَى حِينٍ، وَكَانُوا يَتَحَرَّقُونَ وَيَوَدُّونَ لَوْ أُمِرُوا بِالْقِتَالِ لِيَشْتَفُوا مِنْ أَعْدَائِهِمْ، وَلَمْ يَكُنِ الْحَالُ إِذْ ذَاكَ مُنَاسِبًا لِأَسْبَابٍ كَثِيرَةٍ، مِنْهَا: قِلَّةُ عَدَدِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كَثْرَةِ عَدَدِ عَدُّوِهِمْ، وَمِنْهَا كَوْنُهُمْ كَانُوا فِي بَلَدِهِمْ وَهُوَ بَلَدٌ حَرَامٌ وَأَشْرَفُ بِقَاعِ الْأَرْضِ، فَلَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ بِالْقِتَالِ فِيهِ ابْتِدَاءً لَائِقًا. فَلِهَذَا لَمْ يُؤْمَرْ بِالْجِهَادِ إِلَّا بِالْمَدِينَةِ، لَمَّا صَارَتْ لَهُمْ دَارٌ وَمَنَعَةٌ وَأَنْصَارٌ، وَمَعَ هَذَا لَمَّا أُمِرُوا بِمَا كَانُوا يَوَدُّونَهُ جَزع بَعْضُهُمْ مِنْهُ وَخَافُوا مِنْ مُوَاجَهَةِ النَّاسِ خَوْفًا شَدِيدًا وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ"