فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 269

أن يتجاوزوها لينتقلوا من مرحلة إلى غيرها، وأن يأخذوا بالأسباب التي تؤول بالمسلمين إلى غايات الجهاد ومراحله الأخيرة التي يكون الدين فيها كله لله، ويخضع الناس لسلطان الإسلام، ويتحدد مواقف الناس فيها: إما مسلم مؤمن بدين الإسلام، وإما مسالم آمن يدفع الجزية، وإما محارب خائف·

يقول شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى:"كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ مَأْمُورًا أَنْ يُجَاهِدَ الْكُفَّارَ بِلِسَانِهِ لَا بِيَدِهِ، فَيَدْعُوهُمْ وَيَعِظُهُمْ وَيُجَادِلُهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وَيُجَاهِدُهُمْ بِالْقُرْآنِ جِهَادًا كَبِيرًا، قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ: {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا - فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} [الفرقان:51 - 52] ."

وَكَانَ مَأْمُورًا بِالْكَفِّ عَنْ قِتَالِهِمْ لِعَجْزِهِ وَعَجْزِ الْمُسْلِمِينَ عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ لَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَصَارَ لَهُ بِهَا أَعْوَانٌ أُذِنَ لَهُ فِي الْجِهَادِ، ثُمَّ لَمَّا قَوَوْا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِمْ قِتَالُ مَنْ سَالَمَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَطِيقُونَ قِتَالَ جَمِيعِ الْكُفَّارِ.

فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ مَكَّةَ وَانْقَطَعَ قِتَالُ قُرَيْشٍ مُلُوكِ الْعَرَبِ، وَوَفَدَتْ إِلَيْهِ وُفُودُ الْعَرَبِ بِالْإِسْلَامِ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقِتَالِ الْكُفَّارِ كُلِّهِمْ إِلَّا مَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ مُؤَقَّتٌ، وَأَمَرَهُ بِنَبْذِ الْعُهُودِ الْمُطْلَقَةِ، فَكَانَ الَّذِي رَفَعَهُ وَنَسَخَهُ تَرْكَ الْقِتَالِ.

وَأَمَّا مُجَاهَدَةُ الْكُفَّارِ بِاللِّسَانِ، فَمَا زَالَ مَشْرُوعًا مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ إِلَى آخِرِهِ، فَإِنَّهُ إِذَا شَرَعَ جِهَادَهُمْ بِالْيَدِ، فَبِاللِّسَانِ أَوْلَى، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَيْدِيكُمْ، وَأَلْسِنَتِكُمْ» [1]

وَكَانَ يَنْصِبُ لِحَسَّانَ مِنْبَرًا فِي مَسْجِدِهِ يُجَاهِدُ فِيهِ الْمُشْرِكِينَ بِلِسَانِهِ جِهَادَ هَجْوٍ، وَهَذَا كَانَ بَعْدَ نُزُولِ آيَاتِ الْقِتَالِ، وَأَيْنَ مَنْفَعَةُ الْهَجْوِ مِنْ مَنْفَعَةِ إِقَامَةِ الدَّلَائِلِ وَالْبَرَاهِينِ عَلَى صِحَّةِ الْإِسْلَامِ، وَإِبْطَالِ حُجَجِ الْكُفَّارِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ؟" [2] "

وهذا ما أوضحه الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه القيم"زاد المعاد"وهو يستعرض مراحل الدعوة والجهاد منذ بعثته - صلى الله عليه وسلم - حتى نزلت سورة براءة حيث يقول: - صلى الله عليه وسلم -""

(1) - صحيح ابن حبان - مخرجا (11/ 6) (4708) صحيح

(2) - الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية (1/ 237)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت