العبودية فيها للعباد .. فإن الأمر يختلف من أساسه. ويصبح من حق المنهج الإلهي أن يجتاز الحواجز البشرية ويحرر البشر من العبودية للعباد ويتركهم أحرارا في اختيار العقيدة التي يختارونها في ظل الدينونة لله وحده.
والمهزومون الذين يحاولون أن يلووا أعناق النصوص ليا ليخرجوا من الحرج الذي يتوهمونه في انطلاق الإسلام وراء حدوده الأولى ليحرر البشر في الأرض كلها من العبودية لغير الله. ينسون هذه الحقيقة الكبرى .. وهي أن هناك منهجا ربانيا العبودية فيه لله وحده يواجه مناهج بشرية العبودية فيها للعبيد!!!
إن للجهاد المطلق في هذا الدين مبرراته النابعة من ذات المنهج الإلهي فليراجعها المهزومون الذين يحملون هزيمتهم وضعفهم على هذا الدين. لعل الله أن يرزقهم القوة من عنده وأن يجعل لهم الفرقان الذي وعد به عباده المتقين!" [1] ."
ولذلك فهم يتعاظمون مثل قوله تعالى: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) (التوبة: من الآية5) ، وقوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (التوبة:123) .
ويحاول سيد قطب - رحمه الله تعالى - تفسير مواقف هؤلاء المهزومين، ولماذا تهولهم مثل هذه النصوص حتى يحاولوا تقييدها بالمراحل السابقة من أحكام فرض الجهاد فيقول:"إننا نعرف لماذا يهولهم هذا الأمر ويتعاظمهم على هذا النحو .."
إنهم ينسون أن الجهاد في الإسلام جهاد في «سبيل اللّه» .. جهاد لتقرير ألوهية اللّه في الأرض وطرد الطواغيت المغتصبة لسلطان اللّه .. جهاد لتحرير «الإنسان» من العبودية لغير اللّه، ومن فتنته بالقوة عن الدينونة للّه وحده والانطلاق من العبودية للعباد .. «حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ» .. وأنه ليس جهادا لتغليب مذهب بشري على مذهب بشري مثله. إنما هو جهاد لتغليب منهج اللّه على مناهج العبيد! وليس جهادا لتغليب سلطان قوم على سلطان قوم، إنما هو جهاد لتغليب سلطان اللّه على سلطان
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:2144)