الصفحة 184 من 281

وقد يتسع المجال الدلالي الذي يوجده النظام اللغوي من تجريد الضمير من خاصية تعويضه باسم يعود عليه، ويفرغ من المرجعية المحددة حتى يتمخض لأداء وظيفة

استيعاب الإحالات المتعددة من ذلك قوله تعالى:(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلا تَكُن فِي مِرْيَةٍ

مِّن لِّقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ * وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ)

[الآيتان 23 - 24 / سورة السجدة] .

في الجملة التي جاءت بأسلوب الخطاب المباشر الى النبي محمد (- صلى الله عليه وسلم -) تتسع الإحالة

في ضمير الغائب الذي اتصل بلفظ (لقائه) لتحتوي مرجعيتين يولدهما السياق السابق الذي تتطلب استدعاءه، ويقدم لنا السياق السابق حقيقة واقعة تقتضي ان موسى (- عليه السلام -) أوتي كتابًا من الله تعالى، وفي الجملة التالية اختزل الضمير هذه الحقيقة وأوحى بوجود حقيقة

لاحقة، وهي ان محمدًا (- صلى الله عليه وسلم -) نبي من الله تعالى وان القرآن الكريم هو أيضًا من عند الله، وحقق الضمير هنا اتصالًا تامًا بين الحقيقتين من خلال الاحتمالات المترددة في عائديته

على موسى (- عليه السلام -) او على الكتاب، وبالضمير تحققت وظيفة تحويلية منجزة على الصعيدين اللفظي والمعنوي فما بقى من الاسم الذي يحيل عليه الضمير إلا جزء يشير اليه، اما على الصعيد الثاني فقد اصبح العنصران المحال إليهما مرتبطين بعلاقة جديدة مع سياق يقدم

معلومة اخرى، وهي الهدف فموسى (- عليه السلام -) نبي من الله تعالى والكتاب من عند الله يلتقيان مع حقيقة كون محمد (- صلى الله عليه وسلم -) نبيًا وما جاء به القرآن الكريم هو من عند الله تعالى أيضًا.

ويتسع المجال الدلالي لهذه الجملة لتكون إشارة الى ان الكتاب الذي بين ايديكم (بني اسرائيل) اذا لم يوجد فيه ما يشير الى النبي محمد (- صلى الله عليه وسلم -) ، أو رسالته، فقد خرج عن ان يكون هو الكتاب الذي جاء به موسى، من هنا كانت دلالة الضمير تتسع لتشمل المرجعيتين معًا،

فهو لقاء معنوي حاصل على صعيد العقائد، ولقاء فكري في فحوى ما دعيا إليه؛ لان

القرآن الكريم يلتقي في امور كثيرة مع التوراة؛ لكونهما من مصدر واحد فيكون اللقاء

(( على الحق الثابت والعقيدة الواحدة، هو الذي يستحق الذكر والذي ينسلك في سياق التثبيت على ما يلقاه النبي(- صلى الله عليه وسلم -) من التكذيب والاعراض، ويلقاه المسلمون من الشدة )) [1] ،

فما يجابه به النبي (- صلى الله عليه وسلم -) من إعراض يلتقي بمضمونه مع ما واجهه نبي أخر مع قومه من نكران وكفر، وفيه إشارة إلى أن الرسل كلهم يلتقون على التوحيد، فاللقاء معنوي وهو

(1) في ظلال القرآن: 5/ 2814.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت