الصفحة 187 من 281

عظيمًا مثل هذا يوجب ان ينطقوا بتعيين من فعل بهم ذلك. نلحظ السياق يشخص قصورهم العقلي الى أي حد بلغ، بحيث انهم يشيرون الى هذا الهشيم المتبقي وهم مازالوا مصرين

على انها آلهة فيجيبهم ابراهيم (- عليه السلام -) اجابة تناسب مستواهم العقلي.

ويعرض النص القرآني صورًا من المحاججات بين الرسل (عليهم السلام) وأقوامهم ويعرض النص دعوة النبي نوح (- عليه السلام -) لقومه، وفحوى إجابتهم التي عكست شبهات جاهلية قد استحوذت على عقولهم، ففي قوله تعالى:(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ *

أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ * فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا

مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ *

قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ

لَهَا كَارِهُونَ .. ) [الآيات 25 - 28 / سورة هود] .

فالضمير المستتر في الفعل عميت (هي) يهبه السياق (مرجعيتين) الأولى تعود

إلى بعيد وهو (البينة) في قوله: (أرايتم إن كنتم على بينة) ؛ فيكون المعنى (( خفيت أي:

عميت عليكم البينة فلم تهدكم كما لو عمي على القوم دليلهم في المفازة بقوله بغير

هاد. وحقيقته ان الحجة كما جعلت بصيرة ومبصرة جعلت عمياء لان الاعمى لا يهتدي

ولا يهدي غيره )) [1] ؛ لان البينة هي (( علم ومعرفة وبيان من الله تعالى لي ما يلزمني له، ويجب علي من اخلاص العبادة له، وترك إشراك الأوثان معه فيها ) ) [2] ، والمرجعية

الثانية تمثلت بعود الضمير على اقرب سابق له؛ فتكون الرحمة قد ضلت سبيلها اليهم،

فلم يهتدوا لها، فيقروا بها ويصدقوا رسولهم عليها. فالمراد بالرحمة (( نعمة النبوءة، والتفضيل عليهم الذي أنكروه مع ما صحبها من البينة لأنها من تمامها، فعطف(الرحمة) على (البينة) يقتضي المغايرة بينهما، وهي مغايرة بالعموم والخصوص؛ لان الرحمة اعم من البينة إذ البينة على صدقه من جملة الرحمة به )) [3] ، ونلحظ في المرجعيتين إسنادًا مجازيًا بالفعل (عمي) الذي يوحي بقوة ملازمة البينة والرحمة له بحيث أصبحت مشاهدة، فان لم يروا فيه وفي اتباعه ما يحمل على التصديق برسالته، على الرغم من كونه يحمل

(1) النسفي: 2/ 52.

(2) جامع البيان: 12/ 28.

(3) التحرير والتنوير: 12/ 51.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت