الصفحة 188 من 281

برهانًا واضحًا ومتصفًا برحمة الله تعالى بالرسالة فلن تظهر لهم الحجة ولا دلائل الهدى (( فتسبب عن تخصيصي بها ان أظلمت ووقع ظلامها(عليكم) أي: فعميتم انتم عنها لضعف عقولكم ولم يقع عليكم شيء من نورها. وذلك ان الدليل إذا كان أعمى عاد ضرره على

التابع بالحيرة والضلال )) [1] ، فقد كان انشغالهم بتخصيصه بهذا الأمر أن سد عليهم منافذ الابصار ليصلوا الى الحق. فكثافة الفعل الذي جذره اللغوي (رأى) في هذا الموطن من

السياق يدعو للوقوف عليه، فكأن النص يقيم مقابلة بين أفعال الرؤية المنسوبة إليهم،

الفعل الذي جاء اسناده مجازيًا بمرجعيات متعددة:

(( ما نراك الا بشر مثلنا ) )... محصورة ... قصور في رؤيتهم

(( وما نراك اتبعك الا الذين هم اراذلنا ) )... محصورة ... عميت ... الرحمة

(( وما نرى لكم علينا من فضل ) )... محصورة ... بسببها ... البينة

ونلحظ من خلال حركة أسلوب النفي والقصر، تصويرا لمحدودية رؤيتهم وضيق

افق تفكيرهم فهم لم يروا في نوح (- عليه السلام -) إلا ادميًا مثلهم في الخلق والصورة والجنس كانهم كانوا منكرين ان يكون الرسول من الله تعالى بشرًا من خلقه، وهو استدلال أقاموه على

رؤية العين إذ جعلوا استدلالهم ضروريًا من المحسوس من أحوال البشر (( وهذا جهل لان

من حق الرسول ان يباشر الامة بالدليل والبرهان والتثبت والحجة لا بالصورة والخلقة )) [2] . وبالقياس نفسه جاء استدلالهم الثاني (( بان اتباع الفقراء مانع لهم عن ذلك ولوا اتبعه الاشراف لوافقوهم ) ) [3] وقولهم (ما نرى لكم علينا .. ) فيها تسجيل بان دعوى النبي باطلة لادخاله (- عليه السلام -) الاراذل في سلك على أسلوب يدلهم انهم انقص البشر فضلًا عن الارتقاء )) [4] ،

وما يزال السياق يصور قصور نظريتهم وما يزال السياق يصور قصور نظرهم فمكانتهم الدنيوية تعميهم عن رؤية الخصائص العلوية فلا يجدون مسوغًا لاختصاصه بالرسالة،

فقياس الفضل لديهم يقوم (( الفضل بالمال والفهم والجاه والمعرفة بالسلطان، فذو المال

افضل وذو الجاه أفهم وذو السلطان اعرف هذه المفاهيم وتلك القيم التي تسود دائمًا حين

(1) نظم الدرر: 9/ 272.

(2) التفسير الكبير: 17/ 212.

(3) روح المعاني: 12/ 37.

(4) روح المعاني: 12/ 37.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت