فهرس الكتاب
تغيب عقيدة التوحيد عن المجتمع أو تضعف آثارها )) [1] ، ويكون رد نوح (- عليه السلام -) على اعتراضاتهم باسلوب الاستفهام الذي يفيد الاخبار والتقرير؛ لتحفيز عقول المخاطبين واشراكهم بتأمل على وفق ما يقتضيه الحجاج العقلي الذي اتبعه المرسلون مع اقوامهم [2] . (قال ياقوم أرايتم ان كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده) فهي دعوة لرؤية اخرى مفتوحة
الافق، (( فما يكون رأيكم ان كنت على اتصال بربي، بين في نفسي مستيقن في شعوري، وهي خاصية لم توهبوها، وان كان الله تعالى أتاني رحمة من عنده باختياري للرسالة،
أو آتاني في الخصائص ما استحق به من حمل الرسالة وهذه رحمة لاشك عظيمة ما رأيكم
ان كانت هذه وتلك فخفيت عليكم خفاء عماية؛ لأنكم غير متهيئين لإدراكها وغير
مفتوحي البصائر لرؤيتها )) [3] فاتصال الفعل بـ (إن) الإخبارية الشكية يهدف إلى تقرير الحديث الذي ينكره الجاحد ويستغربه فيشحذ ذهنه بهذا الاسلوب الحجاجي لوصل
القطيعة بين الطرفين )) [4] .
ان لقابلية السياق على الإيماء وسعة المقام الذي يرد فيه الضمير دورًا بارزًا في
إمداد الضمير بطاقة تأويلية نابعة من تعدد احتمالات المعنى الذي توجده الاحالات المتعددة، والتي لا ينفرد بها ضمير الغائب المتصل وحسب، بل تتنوع الضمائر المؤدية لهذه
الوظيفة الحركية للذهن ففي قوله تعالى: (فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ * مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ) [الآيتان 82 - 83 / سورة هود] .
نلحظ في هذا المقام صورًا متنوعة مكثفة تعرض دعوات الانبياء التي تصب في
تأكيد قضية التوحيد (الدعوة الى عبادة أله واحد) والانصياع لأوامره على الرغم من اختلاف طرق الدعوة الى هذه القضية، ويتبعها بيان ردود أفعال الأقوام التي تعرض عليها تلك الدعوات المتكررة، وكيف انهم كانوا يقابلونها بالاعراض والصدود من غير تفكر،
ومن ثم ياخذ السياق في بيان اشكال العقاب الذي نالوه جزاء ظلمهم لأنفسهم، هكذا عندما
(1) في ظلال القرآن: 4/ 1872.
(2) صفوة البيان: 2/ 142؛ و=: البنى والدلالات في لغة القصص القرآني، اطروحة دكتوراه، عماد عبد يحيى، كلية الاداب، جامعة الموصل، 1992/ 48.
(3) في ظلال القرآن: 4/ 1873.
(4) البنى والدلالات في لغة القصص القرآني: 247 - 248.