الصفحة 190 من 281

كانت الغاية السامية في عرض هذه القصص والصور هي العظة والانصياع لأمر الله تعالى بطرائق متعددة تبدأ بالإقناع، ثم التخويف والتهديد، وتترشح دلالة التهديد في هذا المقام

في قوله تعالى: (وما هي من الظالمين ببعيد) ، (( أي وما هذه العقوبة او القرى او الارض التي

حل بها العذاب المخزي بمكان بعيد المسافة من مشركي مكة الظالمين لانفسهم بتكذيبك والتماري بنذرك ايها الرسول، بل هي قريبة منهم واقعة على طريقهم في رحلة الصيف

الى الشام )) [1] . فضمير الغائبة المنفصل (هي) الذي يدل على الافراد والتأنيث [2] ، تعددت مرجعياته الى ما هو مشاهد محسوس إذا ما عاد على المدينة أو القرية فيكون البعد مكانيًا، وتكون دعوة للاعتبار بوجود اثار هذه القرى واثار العقوبة التي وقعت عليهم، او ان يعود الضمير على امر معنوي يوحي به عوده على الحجارة المسومة، وهي واسطة العذاب

الذي وقع عليهم، فيتحقق بذلك قانون المرجع بان يعود على اقرب مذكور وهي الحجارة

(( هذه الحجارة(مسومة عند ربك) كما تسوم الماشية أي تربى وتطلق بكثرة، فكأنما هذه الحجارة مرباة او مطلقة لتنمو وتتكاثر، لوقت الحاجة )) [3] ، فكأن في الإشارة المقيدة للحجارة بالوصف مسومة؛ إيذانًا بنفاذ قدرته وشدة عذابه [4] ، وعلى ذلك (أي عود الضمير على الحجارة) يكون المعنى المراد (ببعيد) (( انها اذا هويت منها فهي أسرع شئ لحوقًا بالمرمى فكأنها بمكان قريب منه ) ) [5] ، فلم تكن الحجارة لتخطئ قوم لوط (- عليه السلام -) إذ انحسر القول بزمانه، وإذا ما انفتح النص على الزمان بدلالة توجيه الخطاب إلى المتلقي

الاول لكونه قال (ربك) فقد خاطب الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) ليمتد هدف السياق في التهديد والوعيد

من زمن الحدث الى زمن تلقي النص، الجمهور المعاصر، فقد جاء الخطاب في النص

بقوله: (مسومة عند ربك) لتحتوي الاضافة الى الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) تكريمًا له"والقاء ظلال القربى بينه وبين ربه، وتقريرًا للصلة الوثيقة التي تحمل معنى التكريم ومعنى وثاقة المصدر"

(1) تفسير المنار: 12/ 138.

(2) الضمائر في اللغة العربية / 40.

(3) في ظلال القرآن: 56/ 2806.

(4) البحر المحيط: 5/ 250.

(5) م. ن: 5/ 250.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت