فهرس الكتاب
فالضمير العائد على المفرد المؤنث المتصل بـ (ان) ، تعددت مرجعياته استنادًا إلى
سياق المقال الذي جاء فيه، فإذا أخضعناه للقاعدة النحوية فان اقرب مرجع له هو الآيات
التي خصها الله تعالى بالمتوسمين (( وهم المتأملون في الأسباب وعواقبها وأولئك هم المؤمنون ) ) [1] ، واصل التوسم التثبت والتفكر، فمن لم تكن له هذه الأحداث عبرة يستدل
بها على قدرة الله تعالى خرج من دائرة المتوسمين. فتكون بذلك الإحالة مكثفة؛ لأنها ان رجعت على الآيات أشارت إلى فعل الله تعالى في هؤلاء القوم وهي العقوبة التي استحقوها جزاءً لأفعالهم المنكرة، وكفرهم بنعم الله تعالى وعدم استجابتهم لنبيه ولدعوته، وذلك يمثل العبرة من القصة كلها. فهي إحالة على أمر ذهني تمثل (بالعبرة) من الذي وقع كله، أو أن يكون الضمير عائدًا على (الحجارة أو الصيحة) [2] التي هي من الوسائل أو الأدوات التي نزلت بها العقوبة عليهم، فتخرج الدلالة بذلك إلى التهديد والوعيد بان هذه الحجارة التي
فعلت بقوم لوط (- عليه السلام -) ما فعلت يمكن ان تنزل بمن يسلك سلوكهم في كل وقت وفي أي مكان. أو أن يعود على (الصيحة) فيكون الأثر صوتيًا وهو أيضًا تهديد للسامعين (( أي ان الصيحة لبمرصد لمن يعمل عملهم ) ) [3] . ويمكن ان نجد مرجعية اخرى يرشحها السياق اللاحق، وهي ان تكون إحالة على المدينة المهلكة، فيكون الغرض حث السامعين على الاعتبار من خلال المشاهدة المادية لأثار تلك المدينة؛ لان (( قرى لوط(- عليه السلام -) تقع في طريق مطروق بين الحجاز والشام يمر عليها الناس، وفيها عظات لمن يتفرس ويتأمل ويجد العبرة في مصارع الغابرين )) [4] . ففي الإحالة عليها إشارة إلى آثار الخسف والإمطار بالحجارة، فالحث هنا متوجه إلى المكان بحيث ان رؤيته تدعو إلى التذكر فيكون الوصف بـ (سبيل مقيم) للمكان أي: (( انه بممر ثابت بحيث يراها الناس ويعتبرون بها لم تندرس وهو تنبيه لقريش ) ) [5] ، (وانكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل) ، فالمكان اصبح شاهدًا على ما حصل وقد البس السياق السبيل بصفة من صفات البشر إلا وهي الإقامة فأصبح شاهدًا ناطقًا بالحق لما وقع فيه، والقصد من هذا كله (( الهاب للناس وتبكيت لهم، ثم بين ان ذلك غير خفي عنهم ولا بعيد عمن أراد الاتعاظ به، فقال جعلًا(لهم) لعدم اعتبارهم بها مع رويتهم اياها في كل حين في
عداد المنكرين )) [6] .
(1) التحرير والتنوير: 14/ 609.
(2) البحر المحيط: 5/ 463.
(3) م. ن: 5/ 463.
(4) في ظلال القرآن: 4/ 2150.
(5) البحر المحيط: 5/ 463.
(6) نظم الدرر: 11/ 87.