فهرس الكتاب
يتعدى تعدد المرجع الحاصل بالضمائر مجال الإحالة على السابق أو اللاحق إلى أن يكون في ظل ظروف معينة من مقام وسياق استراتيجية يتخذها المتحدث للنفاذ من موقف ما، وحصل هذا في السياق القصصي ففي قوله تعالى على لسان الرجل المؤمن من بني إسرائيل مع موسى (- عليه السلام -) :(وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ حَتَّى إِذَا
هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ * الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ
بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ)
[الآيتان 24 - 25 / سورة المؤمن] .
فالضمير (هو) (( دال على الغياب والإفراد والتذكير ) ) [1] ، ويكتسب ضمير الغائب هذا
معنى إشاريًا، لكونه اختصارًا موجزًا للإشارة (( إلى الذي ذكر سابقًا ) ) [2] ، فإذا ما تأملنا المقام الذي ذكر فيه هذا المقال لوجدنا انه قيل في قصر فرعون، وبين يديه وتحت سطوته، وبينما موسى (- عليه السلام -) يحاجج فرعون (( انتدب رجل من آل فرعون، وقع الحق في قلبه ولكنه كتم إيمانه انتدب يدفع عن موسى(- عليه السلام -) ويحتال لدفع القوم عنه، ويسلك في خطابه لفرعون وملئه مسالك شتى، ويتدسس إلى قلوبهم بالنصيحة ويثير حساسيتهم بالتخويف والإقناع )) [3] فجاء بحقيقة هي أشبه بالمثل لثباتها وقابلية استعمالها في مقامات متشابهة؛ فالله تعالى
لا يهدي (( المقيم على المعاصي المستكثر منها الكذاب المفتري ) ) [4] ؛ لان الإسراف تجاوز الحد في كل فعل يفعله الإنسان [5] ، والسياقات التي وردت [6] فيها هذه اللفظة أوحت
بان دلالتها اقترنت بتجاوز الحد في أمور غلب عليها الطابع السلبي، فجاء الضمير هنا
لتكون له مرجعيتان: الاولى على موسى (- عليه السلام -) والثانية على فرعون (فهو يهددهم من
طرف خفي وهو يقول كلامًا ينطبق على موسى كما ينطبق عليهم (( .. فإذا كان موسى فان الله لا يهديه ولا يوفقه فدعوه له يلاقي منه جزاءه، وأحذروا ان تكونوا انتم الذين تكذبون
(1) الضمائر في العربية / 36.
(2) م. ن / 36.
(3) في ظلال القرآن: 5/ 3079.
(4) فتح القدير: 4/ 489.
(5) المفردات / 230.
(6) (ولا تسرفوا انه لا يحب المسرفين) / سورة الانعام، الآية / 141، (ولا تاكلوها اسرافا وبدارا) / سورة النساء، الآية / 6، (فلا يسرف في القتل) / الاسراء، الآية / 33، وغيرها.