الصفحة 208 من 281

في رفاهية العيش، فيكون كفرهم اشد من كفر المستصحبين للكفر من قبل البعثة )) [1] .

وقد وصف سبب هذا الارتداد بـ (انهم استحبوا) ؛ فقد بالغوا في حب الدنيا كما ان المقابلة

بين الدنيا والاخرة في السياق يوحي بانهم اخضعوا المسألة الى مقياس عقولهم فكانوا خاسرين (( لأن العقيدة لا يجوز ان تكون موضع مساومة، وحسابًا للربح والخسارة، ومتى امن

القلب بالله فلا يجوز ان يدخل عليه مؤثر من مؤثرات هذه الارض، فللارض حساب

للعقيدة وللعقيدة حساب ولا يتداخلان، وليست العقيدة هزلًا وليست صفقة قابلة للأخذ

والرد فهي أعلى من هذا واعز، ومن ثم كان التغليظ في العقوبة والتفظيع للجريمة )) [2] ؛ لان استحباب الأمر إيثاره، والاستحباب أن يتحرى الإنسان في الشيء أن يحبه

واقتضى تعديته بـ (على) معنى الإيثار [3] .

وينقل النص القرآني من خلال تشكيلاته صورة من صور المحاججة التي تتجسد

على صعيد الأقوال من الواقع إلى النص فيحكى القول ويرد عليه داخل النص ففي قوله تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) [الآية 30 / سورة التوبة] .

نلحظ من النص القرآني إثباتًا للقول الصادر عن الخصوم للدعوة الإسلامية،

فهو بسط لرأيهم ثم الرد عليه بغية إبطاله. ونجد ان القرآن الكريم يعتمد طرائق متعددة

في مواجهة هؤلاء الخصوم فينفذ إلى الأساس الذي تقوم عليه أراؤهم ومواقفهم لاثبات

بطلانها، وقد أعطى الإخبار (( عن هذه المقالة معنى الاستعظام له والرد عليه ... على

معنى إنكاره بالقلب واللسان والرد عليه بالحجة والبرهان )) [4] . ويتصدر مقام الرد

على مقالتهم تلك أسم الإشارة (ذلك) الذي يستعمل للإشارة إلى البعيد فيحتوي معنى البعد

هذا دلالات معنوية تنبثق من المقام والسياق؛ فيكون (( إشارة إلى ما صدر عنهم

من العظيمتين (مقالتيهما) وما فيه من معنى البعد للدلالة على بعد درجة المشار إليه

(1) التحرير والتنوير: 14/ 296.

(2) في ظلال القرآن: 4/ 2196.

(3) المفردات / 105.

(4) الجامع لأحكام القرآن: 8/ 117.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت