فهرس الكتاب
وفي النص يبرز اسما إشارة دالان على الجمع، أحدهما يدل على القريب وهو (هؤلاء) والاخر يدل على البعيد وهو (اولئك) ، ففي قوله تعالى: (هؤلاء اهدى من الذين امنوا سبيلًا)
إشارة إلى تأكيد وتكرار لوجهتهم في التمرد والعصيان وذلك (( بتفضيلهم عبدة الاوثان
على الذين آمنوا بمحمد (- صلى الله عليه وسلم -) وهو يجري مجرى المكابرة؛ فمن يعبد غير الله تعالى كيف يكون افضل حالًا ممن لا يرضى بمعبود غير الله تعالى ومن كان دينه الاقبال بالكلية على خدمة الخالق والاعراض عن الدنيا والاقبال على الاخرة، كيف يكون اقل حالًا، ممن
كان بالضد في كل هذه الاحوال .. )) [1] ، هذا المعنى متحقق إن كانت الاحالة بـ (هؤلاء) عائدة على عبدة الاصنام بشكل عام وإن تخصص بقريش، لانها اقرب مذكور باعتبار
ان الموصوفين (( بـ(الذين كفروا) هم قريش )) [2] ، أو أن يكون في الإشارة بـ (هؤلاء) الى الاصنام أنفسهم أي موضع الخلاف فيكون في اسم الاشارة (هؤلاء) تصغير وتحقير وحصر للمشار اليه. (( والظاهر انهم أطلقوا أفعل التفضيل ولم يلحظوا معنى التشريك
فيه أو قالوا ذلك على سبيل الاستهزاء )) [3] ، أو أن يتعدد المشار اليه بـ (هؤلاء) لكون الإشارة بقوله تعالى: (هؤلاء أهدى) إلى الذين كفروا وهو حكاية للقول بمعناه لانهم انما
قالوا (انتم اهدى من محمد وأصحابه) ، أو قال بعض اليهود لبعض في شأن أهل مكة:
(هؤلاء اهدى) أي حين تناجوا وزوروا ما سيقولونه، وكذلك قوله: (من الذين امنوا)
حكاية لقولهم بالمعنى نداء على غلطهم، لانهم انما قالوا: (هؤلاء اهدى) من محمد واتباعه (( وإذ كان محمد واتباعه مؤمنين فقد لزم من قولهم ان المشركين اهدى من المؤمنين،
وهذا محل التعجيب )) [4] . ونجد فاعلية اسم الإشارة في النص لا تقتصر على (هؤلاء) ، وانما جاء التوسع في الإحالة في اسم الإشارة (اولئك) الذي جاء تعقيبًا على التعجب بقوله: (اولئك الذين لعنهم الله) ؛ فكأنها ارتبطت بفعل الرؤية الذي تصدر النص بفكرته المركزية
تأكيد التوحيد، وتأكيد خطأ اليهود وتزويرهم الحقائق التي جاءت بها الرسل قبل محمد
(- صلى الله عليه وسلم -) فأصبحوا لبروز اللعنة الملتصقة بهم من الله تعالى كالمشاهدين المشخصين من
بين سائر الناس. (( فمن بلغ من وصف حاله هذا المبلغ صار كالمشاهد، فناسب بعد قوله:
(1) التفسير الكبير: 10/ 129.
(2) البحر المحيط: 3/ 272.
(3) م. ن: 3/ 272
(4) التحرير والتنوير: 5/ 87.