فهرس الكتاب
فنلحظ كيف أن مقالتهم مبتسرة ضعيفة بالحجة بدلالة التركيب الذي جاءت عليه
جملة قولهم (إنما) التي هي أداة حصر والضمير العائد (أنت) واسم الفاعل (مفتر) الذي
يدل على الثبوت والدوام في حين ان الرد عليهم جاء بالفعل المضارع (يفتري) الذي يعطي مساحة زمانية ودلالية اكبر من اسم الفاعل، لأنه يدل على التجدد والتكرر والاستمرار
فضلًا عن تأكيده بحضور المفعول به [1] . كما ان لاستبدال التعبير عنهم بالاسم الموصول
دون الضمير (( يفيد اشتهارهم بمضمون الصلة ولان للصلة أثرًا في افترائهم، لما
تفيده الموصولية من الإيحاء الى وجه بناء الخبر )) [2] . كما ان احتواء السياق السبق
على رد قوي بثته دلالة فعل الأمر (قل) الذي أكدت به حضور الأمر والمأمور، لتثبيت
أمانة الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) في التبليغ وصحته في قوله تعالى: (قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين) ، ففي ظل هذه الظروف المحيطة باسم الإشارة (أولئك) توافرت أجواء تعدد المشار إليه، ففي قوله: (أولئك هم الكاذبون) مبالغة في وصفهم
بالكذب أي كل كذب قليل بالنسبة إلى كذبهم )) [3] ؛ لانه جواب على وصفهم النبي بالافتراء، فلا يليق الكذب الا بمن لا يؤمن لانه لا يترقب عقابًا [4] عليه فهو رد عليهم بتخصيص
نوع الافتراء [5] (يفتري الكذب) ، ومن ثم تأكيد صفة الكذب وحصرها بهم، فيكون
المشار اليه (قريش) فهم الكاذبون؛ لانهم لا يؤمنون أو إلى الذين لا يؤمنون بشكل عام،
أي أولئك هم الكاذبون على الحقيقة الكاملون في الكذب؛ (( لان تكذيب آيات الله تعالى اعظم الكذب، أو ان تكون فيه إشارة إلى أن أولئك هم الذين عادتهم الكذب لا يبالون به في كل
(1) =: التحرير والتنوير: 14/ 290.
(2) م. ن: 14/ 291.
(3) الجامع لأحكام القرآن: 10/ 179.
(4) الكشاف: 2/ 635.
(5) الافتراء يأتي بمعنى الكذب والشرك والظلم، والافتراء قطع الكذب واخبر به، الفروق اللغوية / 34.