فهرس الكتاب
قالت النصارى لن يدخلها الا من كان نصرانيًا (( فمن الواضح ان المتعاطفين بـ(او)
في الآية لا يجوز اجتماعهما في حالة واحدة )) [1] ؛ إذ معلوم ان اليهودي لا يأمر بالنصرانية
ولا النصراني يأمر باليهودية [2] ، فالقول وان صدر من كلا الفريقين الا ان الفريقين يعادي أحدهما الآخر، ويضلل بعضهم بعضًا فامتنع أن يحكم كل فريق على الآخر بدخول الجنة، إلا أنهما اتفقا في مضمون الفكرة التي جاء اسم الإشارة (تلك) ، والذي يشار به إلى البعيد ليكون عاكسًا لحجم هذه المقالة واثرها، فهي لا تتجاوز ببعدها ان تكون (( أماني باطلة أمانيهم .. أي ليس ذلك عن تحقيق ولا دليل من كتاب الله ولا من أخبار من الرسول(- صلى الله عليه وسلم -) وانما ذلك على سبيل التمني )) [3] والتمني لا يتعدى كونه (( تشهي حصول الامر المرغوب فيه وحديث النفس بما يكون وما لا يكون .. تمنيت الشيء أي قدرته واحببت ان يصير الي من المنى ) ) [4] . فنلحظ خصوصية وجود هذا اللفظ هنا ليتلاءم وبعد حصولهم على ما تشتهي نفوسهم؛ لان التمني يكون في الممتنع. وقد كان لدلالة الجمع في (أمانيهم) مع العلم ان محتوى السياق كان امنية واحدة فأمكن ان تكون تشخيصًا لدواخلهم اومااقتضته مقالتهم (( ان لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم وامنيتهم ان يردوهم كفارًا وامنيتهم ان لا يدخل الجنة غيرهم ) ) [5] تلك (( أي هذه الامنية السالفة التي تشتمل اماني كثيرة كنجاتهم من العذاب ووقوع اعدائهم فيه وحرمانهم من النعيم ) ) [6] . كما ان في قوله: (تلك امانيهم) مصادرة وهدم لمقولتهم تلك وحصرهم في حدود التمني والرغبة في الحصول على الشيء، فما قالوه لا يتجاوز إطار التمني (غير المتحقق) لكونه ليس رجاءً وإنما أمنية فهي مستحيلة التحقق هنا بقرينة المقام الذي قيلت فيه المقولة، ثم بالسياق اللاحق الذي استمر على وتيرة واحدة في هدم رايهم من جهات عدة بوسائل اخرى (قل هاتوا برهانكم .. ) فكذبهم الله تعالى وجعل قولهم امنية. وفي قوله تعالى: (وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَاتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * وَأُتْبِعُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ) [الآيتان 59 - 60 / سورة هود] .
(1) البحر المحيط: 1/ 351.
(2) =: البحر المحيط: 1/ 351.
(3) م. ن: 1/ 350.
(4) لسان العرب: 3/ 359.
(5) البحر المحيط: 1/ 351.
(6) تفسير المراغي: 1/ 194.