فهرس الكتاب
فيلحظ في هذا الاستهلال كيف بدأ التدرج من البنية الاستفهامية، حتى أعلن السائل
عن غاية هذا الاستهلال، واستحضار دلالته في إبطال حجة موسى (- عليه السلام -) والتأثير في
مصدر قوته (الجماهير) ، فعندها تحول مجرى النص الى تحقيق غاية اقناعية تؤكد
كفاءة (المرسل) وتحسم الموقف لصالحه (( فملك السماوات والارض وما بينهما الذي
لا تساوي مصر فيه هباءة امر يحتاج الى قلوب مؤمنة تحسه وتعقد الموازنة بينه وبين ملك مصر الصغير الزهيد )) [1] . من هنا كان استمرار المحاورة بتبادل الأدوار بين موسى (- عليه السلام -)
وفرعون دليلًا آخر على خروج الجواب عن مقتضى السؤال بذهن فرعون. ونلحظ ان
اجابة موسى (- عليه السلام -) تبقى محافظة على تحقيق هدف بيان عجز السائل وتكثيف بنية الجواب؛ لتفتح افق السامعين الى فضاء اوسع يتلمس من خلال وجود الله تعالى جوابًا على سؤاله، فيتكرر هذا المحور من القصة نفسها في سورة (طه) في قوله تعالى: (قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى .. ) [الآيتان 49 - 50] .
إلا أن الاستفهام تغير بتغير الاداة، فهو هنا توجه بحرف الاستفهام (من) التي يراد
بها التعيين فيسأل بها عن الناس وللسؤال عن كل ما يعقل [2] ، والاظهر ان تكون سؤالًا
عن من يشخصه ويعنيه المسؤول عنه من بين ذوي العلم؛ لانه اذا قيل (من فلان) يجاب (زيد) ونحوه ما يفيد التشخيص [3] ، من هنا كان السؤال عن (( المشخص أي عن الاسماء والصفات ) ) [4] ، وذهب القرطبي إلى أن الجواب عن (من) هنا لم يخرج عن منطقية
السؤال وانطلق في قوله تعالى هذا من الفارق بين (ما) (( التي يسأل بها عن الاجناس
والله تعالى ليس بذي جنس؛ لذا كان جواب موسى (- عليه السلام -) حين قال له: (فمن ربكما) ولم يجب حين قال له: (وما رب العالمين) ، إلا بجواب (من) واضرب عن جواب (ما) حين كان السؤال فاسدًا )) [5] . ويبدو لنا أن موسى (- عليه السلام -) في كلا النصين لم يجب عن موضوع السؤال. فجوابه (( يلخص اكمل اثار الالوهية الخالقة المدبرة لهذا الوجود: هبة الوجود لكل موجود ..
(1) في ظلال القرآن: 5/ 3193.
(2) المقتضب: 2/ 52؛ و=: الصاحبي / 144.
(3) الايضاح: 1/ 135.
(4) م. ن: 1/ 135.
(5) الجامع لاحكام القرآن: 10/ 93.