فهرس الكتاب
وهبة خلقه على الصورة التي خلق بها وهبة هدايتة للوظيفة التي خلق لها .. )) [1] ، فإجابته لم تعط التشخيص الذي أراده فرعون وانما كانت دعوة لاستقامة العقل في تأمل هذا
النظام العجيب، ثم دلالة على ان ربنا (أي: موجدنا ومربينا ومولانا الذي اعطا كل شيء)
فما تراه في الوجود (خلقه) (( أي ما هو به أليق في المنافع المنوطة به والآثار التي تتأثر
عنه من الصورة والشكل والمقدار واللون والطبع، وغير ذلك مما يفوت الحصر ويجل
عن الوصف، ولما كان في إفاضة الروح من الجلالة والعظم ما يضمحل عنده غيره
من المفاوتة إشارة إلى ذلك بحرف التراخي (ثم هدى) أي: كل حيوان منه، مع أن فيها
العاقل وغيره الى جميع منافعه، فيسعى لها ومضاره فيحذرها فتثبت بهذه المفاوتة
والمفاضلة مع اتحاد نسبة الكل الى الفاعل انه واحد مختار )) [2] . فـ (ثم) هنا التي تفيد التراخي جاءت لتأدية وظيفة اخرى تبين فيها تباين منزلتي الخلق والهداية؛ فهداية كل
شيء الى وظيفته (( مرتبة اعلى من خلقه غفلًا ) ) [3] ؛ فالاهتداء الاستقامة والثبات
على الوظيفة التي خلق لها.
فنلحظ ان البنى الاستفهامية نفسها وفق ثنائية السائل والمجيب تعلن للمرة الثانية عن غاية هذا السؤال باستمرار فرعون على السؤال واستمرار موسى (- عليه السلام -) على فتح افق
السامع لادراك وجود الخالق؛ فيكون المراد من إجابة موسى (- عليه السلام -) (( انه سبحانه أعطى خلقه في أول خلقهم كل ما تزاح به عللهم ويتكامل معه خلقهم من سلامة الاعضاء واعتدال الاجزاء وترتيب المشاعر والحواس ومواقع الاسماع والابصار ثم هداهم من بعد لمصالحهم ودلهم على مناكحهم واجراهم في مضمار التكليف الى غايتهم ) ) [4] . تؤشر مواطن ورود ظاهرة الانتقال الدلالي بالسؤال والجواب وخروج الجواب عن منطقية السؤال حرص النص على اقناع المتلقي بامور تبقى تؤشر توترًا لابد من وضع استقرار له، ففي قوله تعالى: (ويقولون متى هذا الوعد ان كنتم صادقين.(وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * مَا يَنظُرُونَ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ) [الآيتان 48 - 49 / سورة يس] .
(1) في ظلال القرآن: 4/ 2338.
(2) نظم الدرر: 12/ 294.
(3) في ظلال القرآن: 4/ 2338.
(4) تلخيص البيان / 148.