فهرس الكتاب
الأمر يبدو طويلًا عليهم، ونظرًا لكون سؤالهم فيه اثر عدم تحسسهم أي تمهيد لوقوع
هذا الوعد، جاء العذاب الذي كان ردًا على إنكارهم وتكذيبهم وسخريتهم متناسبًا ورغبتهم
في استعجاله، فهي صيحة مدمرة سريعة وكان في قوله تعالى: (إلا صيحة) إشارة إلى
حقارة شأنهم وتمام قدرته تعالى فنهايتهم ستكون بأقل ما يكون، ولما كان (( الحازم من
لا يتهكم بشيء إلا إذا استعد له بما هو محقق الدفع بين سفههم باتيانهم بغتة وبأنه لابد من وقوعها وانها بحيث تملأ السماوات والارض فكأنه لا شئ فيها غيرها )) [1] . والنص
القرآني يوضح كيف ان هذه الصيحة ستأتيهم مباغتة بوصفهم بـ (وهم يخصمون) ، والمعنى
انها تبغتهم، وهم في غفلتهم عنها لا يخطرونها ببالهم متشاغلين بخصوماتهم في متاجرهم ومعاملاتهم وسائر ما يتخاصمون فيه ويتشاجرون )) [2] ، ويمكن ان يفهم من الوصف
مدلولًا آخر بأنها سوف تهلكهم وهم ما زالوا منشغلين بحصولها أم لا (( ولعله عبر بذلك
إشارة .. إلى تناهي الخصام بإقامة أسبابه أعلاها وأدناها وكل ذلك إشارة إلى انهم في
وقت الصعق يكونون في اعظم الآمان منها؛ لان إعراضهم عنها بلغ إلى غاية لا مزيد
عليها وخصومتهم في غاية الخفاء )) [3] ، فيكون هذا الوصف (( إعراضًا عن جوابهم لأنهم لم يقصدوا حقيقة السؤال فأجيبوا بأن ما اعد لهم من العذاب هو الاجدر بأن ينتظروه ) ) [4] فالوصف يتحدث عن كيفية حصول العذاب لا عن وقت حصوله. وفي قوله تعالى:(وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لابِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ *
قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ
مِنَ اللاعِبِينَ * قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ)
[الآيات 51 - 56 / سورة الانبياء] .
فالاستفهام المتحقق بالهمزة التي يراد بما يليها التقرير (( فتقول أ فعلت؟ إذا أردت تقريره بالفعل، وأنت فعلت؟ إذا أردت تقريره بأنه فاعل الفعل وأهذا فعلت؟ إذا فعلت؟
إذا أردت تقريره بالمفعول .. )) [5] وفي هذه الآية كان التقرير متوجها الى الفعل (أجئتنا بالحق) ،
(1) نظم الدرر: 16/ 139.
(2) الكشاف: 4/ 19 - 20.
(3) نظم الدرر: 16/ 139.
(4) التحرير والتنوير: 23/ 33.
(5) دلالات التراكيب: 238.