الصفحة 240 من 281

فكان كلامهم كلام من يتوهم أن هذا الفعل كان على الحقيقة أم لا. وذلك (( لما اوهموا انه

إنما يمازح بما خاطبهم به في أصنامهم .. )) [1] ، والذي سألوا إبراهيم (- عليه السلام -) عن كنهه أجد هو أم لعب ما ذكره في السياق السابق: (إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي انتم لها عاكفون) ،

فقد حملت مقولته دلالات الاحتجاج والانتقاد على معتقدهم في كون الهيئات التي اسماها

وهي مصنوعة من الحجارة والخشب بـ (التماثيل) ليخرجها من إطار الالوهية التي

وضعوها فيه (( ولزيادة كشف معناها الدال على انحطاطها عن رتبة الالوهية والتعبير

عنها بالتماثيل يسلب عنها الاستقلال الذاتي )) [2] فهي منحوتة من الحجارة وهي من

أجزاء الارض التي تدخل ضمن مخلوقات (الله) تعالى الذي يدعوهم لعبادته كما انه

استنكر عليهم عكوفهم عليها بالعبادة، واللفظة تصور حالة (( تفيد الانكباب الدائم المستمر

وهم لا يقضون وقتهم كله في عبادتها، ولكنهم يتعلقون بها، فهو عكوف معنوي لا زمني وهو يسخف هذا التعلق ويبشعه بتصويرهم منكبين أبدًا على هذه التماثيل )) [3] . فقد

استبعدوا ان يكون قصده إنكار فعلهم هذا، وهو جاد في ذلك؛ لذا كان ما بعد أم المعادلة

في قولهم: (ام انت من اللاعبين) بالجملة الاسمية التي تدل على الثبات والاستقرار لتعبر عن

ميلهم الى ترجيح كونه غير جاد في مقولته لهم. وقد تجنبوا وصفه بالباطل ووصفوها

بالمزاح (( تلطفًا معه وتجنبًا لنسبته إلى الباطل استجلابًا لخاطره ولما رأوه من قوة

حجته )) [4] . ولما كانوا يترقبون الإجابة التي تحدد احد الامرين في سؤالهم فنجد

إبراهيم (- عليه السلام -) يضع بين أيديهم حقيقة (( ان المالك لهم والمستحق العبادة هو ربهم ورب

هذا العالم العلوي والعالم السفلي المندرج فيه انتم ومعبوداتكم فنبه على الموجب للعبادة

وهو منشئ هذا العالم ومخترعه من العدم الصرف )) [5] ، ويبدو بأنه يضع بين أيديهم خبرًا جديدًا فيه معنى الاعراض عن الاجابة عن سؤالهم فهي دعوة؛ لان يلتفتوا لهذه المسألة

التي هي أهم من تحديد كونه جادًا أو لاعبًا فان في جوابه (( إضرابًا عما بنوا عليه مقالتهم

(1) التفسير الكبير: 22/ 181.

(2) التحرير والتنوير: 17/ 94.

(3) في ظلال القرآن: 4/ 2385.

(4) البحر المحيط: 6/ 321.

(5) م. ن: 6/ 321.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت