فهرس الكتاب
في التقليد )) [1] ؛ فكأنهم بسؤالهم هذا مازالوا مقلدين للاباء متحجرين في تقبل الحقيقة
الماثلة أمامهم بدليل وجود السماوات والارض وما بينهما (( الذي خلقها لمنافع العباد هو
الذي يحسن ان يعبد لان من يقدر على ذلك يقدر ان يضر وينفع في الدار الاخرة
بالعقاب والثواب )) [2] ؛ لانه كان من مقتضى الظاهر (( ان يجيبهم بقوله: بل انا من المحقين ولست من اللاعبين، فجاء، بقوله: بل ربكم لينبه على ان ابطالي لما انتم عاكفون
عليه وتضليلي إياكم مما لا حاجة فيه لوضوحه إلى الدليل ولكن انظروا الى هذه العظيمة، وهي انكم تتركون عبادة خالقكم ومالك أمركم ورازقكم ومالك العالمين )) [3] ، فأي باطل
ظهر من انشغالكم بعبادة هذه الحجارة. وقد استهل جوابه بحرف الإضراب (بل) الذي
حدد سيبويه معناه الوظيفي بأنه يستعمل (( لترك شئ من الكلام واخذ في غيره ) ) [4] ؛
لان معنى سؤالهم بـ (أم) المعادلة التي تفيد التسوية كان فيه تسوية جائرة، فهي من
ناحية تسوية بين طرفين، أحدهما: حق واضح اشد الوضوح، والاخر: باطل لا شك
في بطلانه عقلًا. ومن ناحية اخرى يعكس لنا طريق سؤالهم انهم ارادوا تصديقه على قولهم:
(أم انت من اللاعبين) ؛ لذا فقد جاء الإضراب عن هذه التسوية باستعمال (بل) واثبات معنى
جديد بعدها [5] ، فيحاول بتقديمه هذا الخبر أو الدليل من دلائل قدرة الله تعالى ان
يرتقي بفكرتهم عن ربهم بان من يستحق ان يكون رب الناس فعلا (والذي يعبد) هو الذي
خلق كل شئ، والمتحكم في الرزق والنفع لا هذه التماثيل الجامدة، وان أحقية العبادة
تسمو عن ان تكون بحجة التقليد للاباء، ثم يرتقي بتأكيد الإجابة بقوله:(وانا على ذلكم
من الشاهدين)، وقد افتتح الجملة بضمير الحضور الفعلي للذات المتكلمة (انا) وبحرف
الجر (على) الذي يفيد الاستعلاء؛ لكونه قد شهد على ذلك عن يقين لان (إبراهيم(- عليه السلام - ) )
لم يشهد خلق السماوات والارض ولم يشهد خلق نفسه ولا قومه ولكن الامر من
الوضوح والثبوت الى حد ان يشهد المؤمنون عليه واثقيين .. )) [6] . ونجد الانتقال في
(1) فتح القدير: 3/ 412.
(2) التفسير الكبير: 22/ 181.
(3) روح المعاني: 17/ 60 - 61.
(4) الكتاب: 2/ 306.
(5) أساليب العطف في القرآن الكريم / 346.
(6) في ظلال القرآن: 4/ 2385.