الصفحة 242 من 281

قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ) [الآيتان 24 - 25 / سورة النحل] .

ان الجهة التي انطلق منها الاستفهام يحرص النص على تغييبها وعدم تعيينها،

فتبدو وكأنها حضور معبر عن جمهور مفتوح على الزمان والمكان فتغيب القائل يلقي

على النص تركيزًا يتوجه على فحوى القول لا على فاعل القول، ومن ثم على ردة

الفعل الناجزة من اصداء هذا الاستفهام. وقد تحقق الاستفهام هنا بالاداة (ماذا) والتي يسأل

بها عن وجود الشيء أو (( عن حد الشيء اما بأجزائه أو ما تأتلف به ذاته، ويتضمن

السؤال بها ماهية الشيء التي هي أحد أسباب وجوده )) [1] ، ولما كان السؤال متوجهًا

لمعرفة ماهية ما أنزل الله تعالى كان الجواب الطبيعي المباشر (( بتلاوة شيء من القران

أو تلخيص فحواه، فيكونوا أمناء في النقل، ولو لم يعتقدوه إنما هم يعدلون عن الجواب

الامين فيقولون (اساطير الاولين ) ) ) [2] . فهم لم يريدوا بقولهم: (اساطير الاولين) ما يعطيه ظاهر اللفظ؛ لكونه احتل موقع الجواب بان يكون وصفًا للقرآن الكريم بوصفه حوى من

القصص والعبر مما قد سمعوه قديمًا وتعارفوا عليه، وانما حملت هذه البنى الجوابية

معنى ضمنيًا يقتضي عدم اعترافهم بوجود ما هو منزل على الرسول محمد (- صلى الله عليه وسلم -) ، فهو

نفي للمعجزة التي انفرد بها وهي (القرآن الكريم) ودقته في نقله للحدث وروايته لكل

ما له مساس بمعالم المخاطبين من أحداث الماضي، وبذا يكون الجواب متضمنًا موقفًا

معبرًا عنهم، فهم ينكرون الرسالة والرسول، وقد ذهب الرازي إلى أن في جوابهم

عدة مقاصد منها (( ان يكون ما ذكروه على سبيل السخرية أو أن يكون المراد ان هذا

القران بتقدير ان يكون مما انزله الله لكنه اساطير الاولين ليس فيه شئ من العلوم

والفصاحة والدقائق والحقائق )) [3] ، وتخرج مقولتهم: (اساطير الاولين) عن الإجابة

المنطقية التي يقتضيها السؤال من خلال بنية التوازي التي حصلت بينها وبين نفس السؤال الذي توجه الى الطائفة المؤمنة في قوله تعالى: (وقيل للذين اتقوا ماذا انزل ربكم قالوا خيرًا .. ) ،

(1) بلاغة السؤال وسؤال البلاغة، عز الدين الخطابي، ادريس كثير، علامات، ج28، م7، 1998: 341.

(2) في ظلال القرآن: 4/ 2167.

(3) التفسير الكبير: 20/ 18.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت