فهرس الكتاب
فقد وصفوا ما انزل اليهم بهذا الوصف لتكون اجابتهم منطقية متوازنة مع ما يقتضيه السؤال ويكون شكل التوازي:
وإذا قيل لهم ماذا انزل ربكم قالوا اساطير الاولين.
وقيل للذين اتقوا ماذا انزل ربكم قالوا خيرًا.
نلحظ في البنى الاولى سيطرة أداة الشرط (إذا) (( فهي ظرف لما يستقبل من الزمان متضمن معنى الشرط ) ) [1] ، إذ تقع شرطًا في الأشياء المحققة الوقوع، لذا وردت شروط القرآن بها [2] وتحمل دلالة الزمن الاستمراري [3] نحو قوله تعالى: (واذا قيل لهم لا تفسدوا في الارض قالوا انما نحن مصلحون) [4] واستعمال (إذا) في البنى الأولى يوضح انه لا يقصد السؤال بحد ذاته، وإنما القصد بيان موقفهم من ما يستمعون اليه وحكمهم على ما يسمعون، في حين تحافظ مجهولية الفاعل على وجودها في البنيتين، التي تؤكد فحوى القول دون القائل. ونلحظ حصول استبدال في التعبير عن الطائفتين، فعبر عن الكفار بضمير الغائب (لهم) في حين يشعرنا التعبير عن المؤمنين بـ (الذين اتقوا) بعلوهم وانحطاط المقابل لهم.
ويؤكد دلالة انحطاطهم تمثيل أوزارهم بالاحمال التي تحمل على الظهور؛ لتؤكد
دلالة إذلالهم وارتكاسهم إلى مرتبة الحيوان الذي يحمل على ظهره الأثقال وأضاف
إلى ذلك أوزار الذين يضلونهم لترتفع نسبة الحمل وانحناءة الظهر والارتكاس إلى
أحقر المراتب. فحمل الاوزار يقتضي ارتكاس صاحبه الى مرتبة ادنى من مرتبة
الإنسانية التي شرفه الله تعالى بها بحيث أحاله الى المرتبة الحيوانية.
ان العوالم التي يفتح عليها النص افق القارئ تقوم بتقريب مسألة كانت قد فاتت
المتلقي وتحاول بناء إضافات جديدة على صعيد الاطراف المتسائلة او المتوجه اليها
الخطاب ففي قوله تعالى حكاية لسؤال متوجه إلى الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) : (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُل مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ)
[الآية 215 / سورة البقرة] .
(1) الكتاب: 4/ 232؛ و=: الفعل زمانه وابنيته / 25.
(2) الاشباه والنظائر: 2/ 225؛ و=: الصيغ الزمنية في اللغة العربية / 90.
(3) مغني اللبيب: 1/ 92.
(4) سورة البقرة، الآية / 11.