يتوجه السؤال عن ماهية الإنفاق بماذا يتم (أي أي شئ من الأموال) ذلك ان (ماذا)
يسأل بها عن الماهية أو ما تأتلف به ذاته، وتأتي الإجابة وفيها إعراض ظاهر عن
السائل الى المسؤول محمد (- صلى الله عليه وسلم -) بصيغة الأمر (قل) التي تقتضي مأمورا وهو المتلقي
الفعلي الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) ، وقد علل البقاعي توجه الجواب بهذه الطريقة بقوله: (( قال تعالى
خطابًا للنبي (- صلى الله عليه وسلم -) وإعراضًا عن السائلين لما في السؤال من التبلد الاسرائيلي .. فعدل
عن بيان المنفق ما هو الى بيان المصرف؛ لانه أنفع على وجه عرف منه سؤالهم )) [1] ، فكان في الجواب معنى ضمني يقتضي تنبيه السائل على ان الاولى به ان يسأل عن
وجه الانفاق لا عن ماهية الإنفاق [2] ، وكأن الإنفاق لا يتحقق على الوجه الذي فيه خير،
إلا ان توجه الوجهة الصحيحة ووضع في المكان الصحيح (( فسألوا عن بيان ما ينفقون، فأجيبوا ببيان المصرف، وهكذا ينزل سؤال السائل منزلة غير سؤاله، لتوخي
التنبيه له بألطف وجه على تعديه عن موضع سؤال هو اليق بحاله ان يسأل عنه
او أهم له إذا تأول )) [3] ، ثم بدأ بوجوه الصرف للاقربين ثم بالاحوج فالاحوج [4] ، (( فللوالدين لانهما أخرجاه إلى الوجود .. والاقربين لما لهم من الحق المؤكد بأنهم كالجزء
لما لهم من قرب القرابة، واليتامى لتعرضهم للضياع لضعفهم، والمساكين لمشاركتهم
الايتام في الضعف أيضًا )) [5] .
كما ان خروج الجواب عما يقتضيه السؤال يجعلنا نتعامل مع هذا الشكل الخطابي
على مستويين من الدلالة، الأول: والذي يتمثل في عنصر الحضور الذي احتل موقع
الجواب، والذي يكون هو الصوت الأقوى؛ لأنه هو الذي حول دلالة السؤال
والجواب المنطقية من حالة الحضور إلى حالة الغياب من هنا يدخل المتلقي عنصرًا
فعالًا في النص ليعود فيسأل مرة ثانية من سبب الحياد عن الجواب، اما المستوى الثاني:
فيكمن في إيجاد العلاقة التي أقامها المتكلم مع فحوى السؤال والخبر الذي جاء به،
ويتمثل في هذا الشكل أيضًا (مفهوم إشاري) من خلال بعض النماذج التي توظف فيها
(1) نظم الدرر: 3/ 214.
(2) فتح القدير: 1/ 216.
(3) مفتاح العلوم / 156.
(4) البحر المحيط: 1/ 141.
(5) نظم الدرر: 3/ 215.