هذه الآلية لإيجاد مجال تأويلي أوسع من الوقوف فيه عند خروج الجواب عن منطقية
السؤال المتعارف عليه، ففي قوله تعالى: (وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ) [الآية 127 / سورة الاعراف] .
فقد كان فحوى السؤال الذي وجهه ملأ فرعون عما استجد من أوضاع من خلال
دعوة موسى (- عليه السلام -) الى عبادة رب العالمين وحده، والتي يترتب عليها تلقائيًا بطلان
شرعية حكم فرعون ونظامه كله، إذ ان هذا النظام قائم على أساس حاكمية فرعون
بأمره، فهو إفساد في الارض يقلب نظام الحكم، وتغيير الأوضاع القائمة على ربوبية
البشر للبشر، وانتشار وضع آخر مخالف تمامًا لهذه الاوضاع [1] ، ففرعون كان يستمد
قوته من الديانة التي تعبد فيها الالهة، فالدعوة تكون بمثابة خطر على سلطان فرعون وحاكميته، فينبثق المستوى الدلالي الاول من غير المتوقع الذي حققه خروج جواب
فرعون عن الفكرة المحورية التي جعلت النص يؤسس معنى ضمنيًا يحمل دلالة عدم الاكتراث لأمرهم (( فهو بيان انهم لا يقدرون ان يفسدوا في الارض وايذان بعدم المبالاة
بهم وان امرهم فيما بعد كأمرهم فيما قبل وان قتلهم عبث لا ثمرة فيه )) [2] ، فقد ورد
في نصوص آخرى ان هذا الفعل كان متواردًا عند فرعون من قبل ولادة موسى (- عليه السلام -)
ففي قوله تعالى:(ان فرعون علا في الارض وجعل اهلها شيعًا يستضعف طائفة فهو يذبح ابناءهم
ويستحيي نساءهم انه كان من المفسدين) [3] بيان ان بني إسرائيل قد عانوا من قبل في ابان
مولد موسى (- عليه السلام -) مثل هذا التنكيل الوحشي من فرعون وملئه )) [4] ، وبذلك يكون
الإجراء الذي اتخذه فرعون بدلالة التركيب المتكون من (الفعل المضارع + السين)
(سنقتل) ، تحقيقًا للاستمرار والتواصل على ذلك الفعل فتكون دعوة موسى (- عليه السلام -) والذين
آمنوا معه لا تغير من الأوضاع السابقة شيئًا، ولما كان ما يعني فرعون بالدرجة الاولى
هو الجمهور الذي أعطاه هذه السلطة التي يتمتع بها، فأن تركيزه ينصب على التأثير فيهم
(1) =: فتح البيان: 4/ 123.
(2) روح المعاني: 9/ 29.
(3) =: سورة القصص، الآية / 5، سورة آل عمران، الآية / 49.
(4) في ظلال القرآن: 3/ 1354.