الصفحة 253 من 281

الخبر، واسند الارسال الى ضمير الغائب العائد عليه (والله الذي ارسل) عندما (( كان المراد الايجاد من العدم عبر بالماضي مسندًا اليه؛ لانه الفاعل الحقيقي فقال:(ارسل الرياح) أي: أوجدها من العدم مضطربة فيها أهلية الاضطراب والسير ليصرفها كيف يشاء .. )) [1] ، فأسند الفعل المضارع (تثير) إلى الرياح؛ لأنها السبب، ولان إثارتها تتجدد كلما أراد ان يسقي أرضًا حكاية للحال لتستحضر تلك الصورة البديعة الدالة على تمام القدرة وعندما وصل الى مرحلة الاحياء جاء بالضمير الدال على الحضور الفعلي (نا) فأكد الحضور عندما تعلقت المسألة بالاحياء والقصد تقريب فكرة البعث بعد الموت، فكما أن هذه الأرض تحيا بعد موتها بحركة من الذات الالهية فكذلك الاموات، فكان استحضار تلك الصورة الدالة على كمال الحكمة؛ لان المراد بيان احداثها بهذه الخاصية. تنبثق الحركة من الانتقالات الالتفاتية الحاصلة بالضمائر فتؤدي دورًا كبيرًا في تحقيق الاستجابة لتجاوزها الحدود الضيقة للتاثير في المقابل بغية إقناعه، ويتمثل هذا النوع في فاعلية الخطاب المتوجه الى الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) في قوله تعالى: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ) [سورة الكوثر] .

لئن كان الخطاب متوجها الى المتلقي الاول فإن فاعلية الحضور والغياب التي

تحركت داخل النص، تكشف عن مدلولات اخرى ترتبط بشكل او باخر بمرجعيات

المتلقي الذهنية، فـ (( اشتمال الكلام على صيغة قصر وعلى ضمير غائب وعلى لفظ الابتر مؤذن بان المقصود به رد كلام صادر عن معين ) ) [2] ، فقد جاءت لفظة (الابتر)

بمرجعيتها الدلالية عند العرب وهي تطلق على من لا عقب له، فهي بؤرة استقطاب

النص، من هنا دخلت اللفظة في علاقة مع مرجعية تاريخية منبع هذه العلاقة ما اقامه

النص من امتداد لحالة الترك التي تثبت الضد عن طريق الضد، وان كانت لا تتفق

في البدء وتقبل المتلقي القريب، فقد شكل انتظام لفظ الابتر في قوله تعالى: (ان شانئك هو الابتر) محورًا لثنائية جديدة، فقد ابتدأ النص بحضور اسم بالقوة، فالحضور الفعلي الذي

مثله الضمير العائد على المتكلم وهو هنا (الله - عز وجل -) بصيغة التعظيم مع فعل العطاء ليكون

فيه (( تنبيه على عظمة العطية؛ لان الواهب هو جبار السماوات والارض والموهوب

(1) نظم الدرر: 16/ 16.

(2) التحرير والتنوير: 30/ 575 - 576.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت