فهرس الكتاب
منه هو المشار إليه بـ (كاف) الخطاب في قوله: (انا اعطيناك ) ) ) [1] ، فتمركزت دلالة
الحضور ضمن النص لتنفي فكرة سيطرة على المتلقي ولتحاكي وعيه، وقد احدث السياق
نقلة ذهنية لمعرفة المتلقي بالمقابلة التي تحققت بين كل من لفظة (الكوثر) ودلالاتها
المنطلقة من صيغتها التي هي للمبالغة فهي الكثرة المفرطة مع دلالة الإعطاء الذي يحقق
دلالة مزدوجة في كونه إيتاءً على جهة التمليك وتعظيمًا للمعطى اليه بان ما اعطي اليه
قليل بالنسبة إلى شأنه [2] (- صلى الله عليه وسلم -) ، وقابل هذا اللفظ وسعته الدلالية لفظ (الابتر) الذي
يوحي بالقطع والنفاذ من كل خير، وقد تعاضد الانتقال الالتفاتي في (الحضور) بقوله تعالى: (إنا اعطيناك) والغياب في قوله: (فصل لربك) بما حققته من إخراج العلاقة بين العطاء
والعمل فلفظة (ربك) تحمل تراثًا يقتضي استحقاق الرب من المربوب واجبات يؤديها،
فهو خالقك والمستحق منك العبادة، فتنتفي دلالة ان اعطاء الكوثر على عمله (صلاته ونحره) وفي الثبات الذي جاءت عليه جملة: (ان شانئك هو الابتر) ، فقد عمد النص الى محاكاة
معارف المتلقي في هذا المقام، فيكون الابتر الذي يراد صهر مفهومه داخل وعي
المتلقي (( وذلك بصرف مراد القائل عن الابتر الذي هو عديم الابن الذكر الى ما هو
اجدر بالاعتبار وهو الناقص حظ الخير، أي ليس ينقص للمرء انه لا ولد له لان ذلك
لا يعود على المرء لنقص في صفاته وخلائقه وعقله )) [3] ، فالنبي (- صلى الله عليه وسلم -) برعاية الله تعالى
له لا يحتاج الى ما يحتاجه غيره (( لانهم يبتغون الولد الذكور رجاء الاستعانة بهم
عند الكبر )) [4] ، فالدعوة الى الله تعالى والحق والخير لا يمكن ان تكون بتراء
ولا يكون صاحبها ابتر، وكيف وهي موصولة بالله تعالى الحي الباقي الازلي الخالد؟
انما يبتر الكفر والباطل والشر [5] . تبرز النقلات الحاصلة بالضمائر لاحداث
وتناسب المقتضيات الالهية للاهداف المرجوة ويجيء ذلك مشفوعًا بالغياب تارة والحضور تارة اخرى، بالتركيز على بعض الصفات، (( فتغير الضمائر يفسر بان الالتفات ظاهرة
(1) التفسير الكبير: 32/ 121.
(2) في ظلال القرآن: 6/ 3988.
(3) التحرير والتنوير: 30/ 576.
(4) م. ن: 30/ 577.
(5) في ظلال القرآن: 6/ 3989.