فهرس الكتاب
نصية تتحقق في العبارات لتصل بينها روابط لفظية ومعنوية، وإذا اختلفت اسباب
تداعي هذه الراوبط والنظم تغير الخطاب وتغيرت الضمائر )) [1] ، ويغلب على
السياقات التي ينتقل فيها الضمير من الغياب إلى الحضور ان تكون سياقات مواجهة
ففي قوله تعالى: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَاءهُ الأعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى) [الآيات 1 - 6 / سورة عبس] .
فابتدأ الخطاب بالافعال المسندة الى الضمير (هو) العائد على متلق خارج النص
وهو خطاب يتسم بالهدوء والقوة معًا، ولم يأت هذا الانتقال اعتباطيًا بل كان له
مسوغه الدلالي، فالغياب في قوله تعالى: (عبس وتولى) جاء بصيغة الفعل الماضي للدلالة
على حدث مر سريعًا، وعندما كان الحديث يتمحور حول انتقاد لحدث عابر واكثر
المفسرين ان الحدث متعلق بمرجعية خارج النص تجعل المخاطب المعني هنا هو
المتلقي الاول [2] ، إلا ان وجهة الخطاب جاءت (( بصيغة الحكاية عن احد آخر غائب
غير المخاطب، وفي هذا الاسلوب ايحاء بان الامر موضوع الحديث من الكراهة عند
الله بحيث لا يحب سبحانه ان يواجه به نبيه عطفًا عليه، ورحمة به، واكرامًا له
عن المواجهة بهذا الامر الكريه )) [3] . وقد كان في قوله (الاعمى) (( تعرضًا لعنوان عماه
اما لتمهيد عذره في الاقدام على قطع كلامه (- صلى الله عليه وسلم -) بالقوم والايذان باستحقاقه
بالرفق والرافة، واما لزيادة الانكار كانه قبل تولى لكونه أعمى )) [4] وتهيئة للانتقال
الى التكلم جاء الاستفهام تمهيدًا لابتداء نسق الخطاب لان الاستفهام بـ (ما يدريك) يعني
طلب الجواب والمحاورة من المقابل، فهو إيذان ببدء دخول المتلقي داخل النص، وهذا التنوع احدث تصعيدًا دلاليا، إذ تم الانتقال من مستوى خارجي الى مستوى باطني،
المستوى الخارجي تجلى في وضع عارض (عبس وتولى) وقد كان الاستفهام عن (الدراية)
بفعل المضارع (يدريك) الذي حقق حضوره دلالة، ان حاله مما يخفى عليك (( وان اجتهدت
(1) الالتفات واثره في شاعرية ابن زيدون - دراسة نصية، حسين خربوش، ابحاث اليرموك، المجلد 12، العدد 24، 1995: 110.
(2) (*) =: اسباب النزول / 332.
(3) في ظلال القرآن: 6/ 3824.
(4) إرشاد العقل السليم: 5/ 236.