فهرس الكتاب
في ذلك فان ذوات الصدور لا يعلمها الا الله تعالى لعله، أي الاعمى (يزكى) ، أي:
يكون بحيث يرجى تطهره ونمو احواله لصالحه بما يسمع منك ولو على ادنى الوجوه )) [1] ، وقد جاء اسلوب الغياب ليكون باعثًا على ترقب المعني من ضمير الغياب ويمكن ان نصل
الى ان حركة الانتقال من الغائب الى الحاضر تولد دليلًا على زيادة الانكار ثم الاقبال
عليه مواجهة إلزامًا للحجة. في اطار ملاحقة هذه الانتقالات الحاصلة في نمط الخطاب
من غائب الى حاضر ومن حاضر الى غائب، نجد في قوله تعالى:(هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي
الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ
مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) [الآية 22 / سورة يونس] .
وهذا الانتقال الالتفاتي احدث توترًا دلاليا درجته ادنى من درجة التوتر الحاصل من الغيبة الى التكلم، لان هذا النوع يحيل الى تقريب صورة التناقض، ويعكس تضاد الرؤى فضلًا عن مواجهته الخصم بأفعاله، إذ كثيرًا مما يرد هذا السياق في مواجهة المخاطب بأفعاله [2] ، وقد جاء السياق مبتدءًا بالضمير المتصدر (هو) بوصفه ممهدًا لابتداء نسق الخطاب عندما كان الامر متعلقًا بالنعمة، فجاء الاسناد الى الذات الفاعلة الحقيقية لنظام الكون كله، ويبدأ التحول الى فاعل اخر دلالي (الريح والموج) في قوله تعالى: (جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان) [3] ، وكأن هذا التحول بحركة الفاعل من حقيقي إلى دلالي، الذي اختلفت بسببها ذبذبات السياق عكست اختلاف نواياهم التي أودت بما كانوا فيه من نعيم. وهذه الحركة في الاسناد تواكبت مع الانتقال الالتفاتي الحاصل بالضمائر من (الحضور الى الغياب) في قوله: (حتى اذا كنتم في الفلك وجرين بهم) . فعندما كان المخاطب معينًا بالخطاب بحضوره الفعلي داخل الحدث المتحقق بالضمير (انتم) كان المخاطب جزءًا من الخطاب عندما كان النص يتحدث عن نعمة أنعمها عليهم، فالكلام مستعمل في الامتنان موجوب الشكر منهم (( فالمسيرون
(1) نظم الدرر: 21/ 251.
(2) الاسلوبية، مدخل نظري / 243.
(3) سورة يونس، الآية / 22.