فهرس الكتاب
(ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ) ، وفي سورة يوسف: (ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ) . فتأكيد حضور (المتلقي الاول) عياني تفاعلي بدلالة (لدى) التي هي ظرف؛ فهي تدل على الحضور الفعلي الاني العياني للشيء او للشخص، في حين ان (عند) تقال وان
كان الشيء والشخص غائبًا عنك [1] ؛ فنلحظ تأكيد استخدام هذا الظرف في موطني الصراع بين مجموعة ما او حدوث اختلاف في وجهات نظر؛ فتكون (اعلق بمسائل ذهنية) وكأن افتقار وجوده هنا كان مرتكزًا على اثر هذا التواجد، لان الحديثين فيهما افتقار للمحكمة
بدلالة التعقيب الذي جاء يصور وضعهم (إذ يلقون اقلامهم ايهم يكفل مريم) و (إذا اجمعوا امرهم وهم يمكرون) ؛ فالمشهد يقف ليصفهم وقت تنافسهم واختصامهم، لذا فقد احتملت مدلولًا غير ظاهرها، وتحولت لتكون بنى مولدة لمعنى جديد يحمل معنى المديح للرسول (- صلى الله عليه وسلم -) ؛ فقد افتقدوا الى الحكمة في تصريف الامرين، وفي السياق الاول لجأوا الى وسيلة الاقتراع للوصول الى من يكفل مريم في حين ان الاولى بهم ان يختاروا من هو اصلح لها
من غير ما اقترع (( لأن ظاهر الآية يدل على انهم كانوا يلقون اقلامهم في شيء على وجه يظهر به امتياز بعضهم على البعض في استحقاق ذلك المطلوب ) ) [2] ؛ فكان الاولى ان يكفلها زكريا (( لانه كان زوج أختها ) ) [3] ، فضلًا عن كونه نبيًا بيته الاصلح لها، وفي السياق القصصي الثاني يدخل (المتلقي الاول) في وقت تامر الاخوة على أخيهم لأبيهم وهم أبناء
نبي، فكان الاولى بهم ان لا يجمعوا على رأي التخلص منهم، ولم ينهض منهم واحد على الاقل رافضًا فكرة التخلص منه خصوصًا وان النص القرآني الذي ورد على لسان
الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) قد عرض بتفصيل تامرهم وفكرتهم عن التخلص من يوسف (- عليه السلام -) ووسائل هذا التخلص؛ فرواتيه بهذه الدقة تتطلب حضورًا عيانيًا، ونلحظ في الانماط الثلاثة
الاخيرة اختلافًا في فاعلية بنية النفي؛ فالتركيز كان على نفي الوجود في اماكن
معينة الا انها ذات علاقة وطيدة بالحدث القصصي ايضًا بل وفي بدء التواصل بين الذات
(1) مغنى اللبيب: 1/ 156 - 157.
(2) التفسير الكبير: 8/ 46.
(3) جامع البيان: 3/ 268.