فهرس الكتاب
من ذلك ما جاء في سورة الحاقة بعد ان توالت صور تعرض حال أقوام كذبت الرسل واشكال عذابهم، يدخل المتلقي في تصوير حال قوم (عاد) الذين حسمتهم الريح، ففي قوله تعالى: (وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ) [الآيات 6 - 8 / سورة الحاقة] .
نجد اسلوب التحاور مع المتلقي في قوله (فترى) جعل المشهد الحكائي حاضرًا، وبعث فيه الحياة، وهو خطاب لغير معين أي: فيرى الرأي لو كان راءٍ، وهذا اسلوب في حكاية الامور العظيمة الغائبة تستحضر فيه تلك الحالة كأنها حاضرة [1] . فيكون القصد من مجيء الفعل بهذه الصيغة (( تعميم الخطاب وكون الشيء على تلك الصفة إذا راه أي راءٍ فلا تختص براءٍ معين ) ) [2] ، والصورة التي يراد التركيز على عرض جوانبها، وتحقيق تفاعل السامع معها مروعة، وقد ارتكزت على صورة التشبيه حيث شبهت حال القوم الصرعى بأعجاز النخل الخاوية، وللمشابهة دور كبير (( في التعميم والتصنيف وربط العلائق ... ذلك انها حجر الزاوية للمقارنة والمقايسة - ولعقد الصلات لرفضها على انها قد تكون ظاهرة احيانًا، وقد تكون خفية أحيانًا اخرى او وظيفية او عقلية، ولكنه مهما كان الامر؛ فأنها لابد منها لمن اراد ان يلحق شيئًا بشيء ) ) [3] . ويستوقفنا الاثر الذي تركته هذه الصورة التشبيهية، التي انفتح افقها بدلالة الفعل المضارع الدال على الاستمرار والتجدد لبيان إمكانية القدرة الالهية التي انتقمت منهم عبر الزمان والمكان، وقد تصدر الفعل حرف العطف الفاء في (فترى) الذي أحدث توترًا دلاليًا يبدو بارزًا في تسريع الدلالة وتكثيفها دون الاطالة. وهذا يتناسب مع تبليغ المقصد في سرعة تاثير هذه الريح وقوتها؛ فالرؤية هنا قائمة على الاستدلال؛ لانها ادراك الرأي للشي والادراك الوقوف على اخص اوصاف الشيء ولا يدرك الا الموجود، وفي السياق تتحقق من خلال عدم محدودية قدرة اللَّه تعالى ومن ثم ما بقي من اثار هؤلاء القوم ويقابل اتساع افق الرؤية بالوصف والمشاهدة تقييد للصورة التشبيهية فقد قام التشبيه على طرفين [4] .
(1) التحرير والتنوير: 29/ 118.
(2) صفاء الكلمة / 95.
(3) دينامية النص تنظير وانجاز، محمد مفتاح /43.
(4) جامع البيان: 29/ 52.