الصفحة 18 من 49

أن مجرد ترك النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والسلف لفعل لا يعني ذلك بالضرورة أنه محرم أو أنه بدعة ما لم يقم على ذلك دليل.

لأنه قد يكون مباحا ولا يفعلونه لعدم وجود الباعث على فعله.

وقد يكون مباحا ويوجد الباعث على فعله ولا يفعلونه لعجزهم عن فعله أو لأن الظروف لم تتهيأ لفعله.

ولهذا كان من تعاريف البدعة أنها:

"كل عمل وجد مقتضي فعله في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفعله مع إمكان فعله".

ومثال ذلك عيد المولد فمقتضاه الباعث عليه هو توقير النبي صلى الله عليه وسلم وإحياء ذكرى ميلاده، وقد كان هذا المقتضى موجودا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وزمن الخلفاء الراشدين ومن بعدهم، ولم يفعلوه مع إمكان فعله، فدل ذلك على أنه بدعة غير مشروعة.

ومن هنا تدخل المصالح المرسلة التي يتجدد مقتضى وجودها بعد أن كان معدوما، وقد عمل الصحابة رضي الله عنهم ببعض المصالح المرسلة التي لم يكن معمولا بها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم.

قال الشيخ سيدي عبد الله في المراقي في معرض الحديث عن المصالح المرسلة:

نقبله لعمل الصحابة *** كالنقط للمصحف والكتابة

تولية الصديق للفاروق *** وهدم جار مسجد للضيق

وعمل السكة تجديد الندا *** والسجن، تدوين الدواوين بدا

ولو قلنا بحرمة كل ما لم يحدث في عصر الصحابة والتابعين لاقتضى ذلك منا تحريم الكثير من الأمور المشروعة التي لم تحدث في عصرهم.

مثال ذلك: وضع الفاصل بين الرجال والنساء في المساجد وفي الدروس فلا شك في مشروعية هذا الأمر لما يحققه من دفع الفتنة وذلك مقصد من مقاصد الشرع، ومع ذلك فإن هذا الفاصل لم يحدث في زمن الصحابة والتابعين فهل يقال بانه بدعة؟!

ومثال ذلك أيضا: الهيئات الدينية والمجامع الفقهية التي تصدر الفتاوى الجماعية فمثل هذه الهيئات لم يكن موجودا زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعمل بها السلف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت