وعلى كل حال فمن الثابت أن علماء العربية لم يعتمدوا الخصائص الصوتية للحروف العربية (صدى أصواتها في النفس) في تقصياتهم عن معانيها بالرجوع إلى معاني الكلمات التي تتصدرها جميعًا.
وهكذا/ قد خفيت عنهم الرابطة الفطرية التي تجمع بين معاني الكلمات التي يتصدرها حرف معين وهي (حسية) في الغالب، فلا يبحثون عن معناه في المصادر الأخرى التي يقع في آخرها ووسطها. ويبقى مثل هذا الحرف لديهم وكأنه بلا معنى، فيهملونه. ما شذَّ عنهم سوى (العلايلي) الذي اتبع نهجًا خاصًا شديد التعقيد كان محفوفًا بالمزالق والمخاطر، بمعرض قيامه بتحديد معاني الحروف العربية جميعًا ولكن بالرجوع إلى (النصوص المحفوظة) ، وليس إلى خصائصها الصوتية فأصاب حينًا وجانبته الدقة أحيانًا. وبذلك تبقى الكلمة العربية لدى (العلايلي) في التعامل كما لدى غيره، هي الأصل والحرف العربي هو الفرع.
وهكذا، فأن انصراف علماء العربية وأساتذتها عن الخصائص الصوتية للحروف العربية يعود إلى معالجتهم مسألة أصالة الحرف العربي في ظل الكلمة العربية، باعتبارها هي الأصل، وهو الفرع فحتى الأرسوزي الذي ابتكر التعريف الفلسفي -النفسي لمعنى الحرف العربي بأنه:"هو صدى صوته في الوجدان"قال"الكلمة هي ملكوتي" (المجلد الأول ص 9) . ولم يستطع هو ولا غيره الإفلات من هذا الملكوت. وهذا ما حال دون اهتدائهم إلى خصائص الحروف العربية ومعانيها جميعًا.
فكيف تجاوزت هذه العقبة؟
لقد اعتبرت الحرف العرب هو الأصل والكلمة العربية هي الفرع. فهو الأقدم منها بآلاف الأعوام، إن لم أقل بمئات ألوفها. كما اعتبرت خصائص الحرف العربي، تبعًا لذلك هي الأصل، وان معانيه المستفادة من معاني الكلمات التي يشارك في تراكيبها هي الفرع.
فكيف تعاملت مع خصائص الحروف العربية ومعانيها؟
تبسيطًا للحديث، سأظل هنا مع علماء العربية أيضًا في نطاق الخصائص (الصوتية) للحروف العربية بعيدًا عن خصائصها (الهيجانية والإيمائية) .